وفاة الأمير الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني.. رحيل مهندس النهضة القطرية وصانع التحول التاريخي
ملخص :
نعى الديوان الأميري في دولة قطر، صباح اليوم الأحد، الأمير الشيخ، حمد بن خليفة آل ثاني، الذي وافته المنية عن عمر ناهز 74 عامًا، في نهاية مسيرة سياسية حافلة جعلت منه أحد أبرز القادة الذين أعادوا رسم ملامح الدولة القطرية الحديثة، ورسخوا حضورها الإقليمي والدولي.
وقال الديوان الأميري، في بيان رسمي، إنه "بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، ينعى الديوان الأميري فقيد الوطن الكبير، المغفور له بإذن الله، صاحب السمو الأمير الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الذي وافته المنية صباح اليوم".
وتوفي الأمير يوم الأحد، الموافق 12 يوليو/تموز 2026، بعد مسيرة امتدت لعقود قاد خلالها مشروعًا تنمويًا شاملاً، قبل أن يتنازل طوعًا عن الحكم لنجله الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في عام 2013، في خطوة استثنائية قلّ نظيرها في العالم العربي.
الولادة والتكوين
ولد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في مدينة الدوحة عام 1952، وتلقى تعليمه الابتدائي والإعدادي والثانوي في مدارس قطر.
من ساندهيرست إلى قيادة الدولة
التحق بكلية ساندهيرست العسكرية الملكية في المملكة المتحدة، حيث تخرج في يوليو/تموز 1971، لينضم بعدها إلى القوات المسلحة القطرية.
المناصب
تدرج في المناصب والرتب العسكرية حتى بلغ رتبة لواء، ثم عُيّن قائدًا عامًا للقوات المسلحة، قبل أن يبدأ مسيرته السياسية بتعيينه وليًا للعهد ووزيرًا للدفاع في 31 مايو/أيار 1977، إضافة إلى رئاسته المجلس الأعلى للتخطيط، الذي كان يمثل -آنذاك -المؤسسة الرئيسية المعنية برسم سياسات التنمية في البلاد.
كما تولى رئاسة المجلس الأعلى لرعاية الشباب منذ تأسيسه عام 1979 وحتى عام 1991، قبل أن يتولى مقاليد الحكم في دولة قطر في 27 يونيو/حزيران 1995، فاتحًا صفحة جديدة في تاريخ الدولة.
نهضة شاملة غيّرت ملامح قطر
منذ وصوله إلى الحكم، تبنى الشيخ حمد رؤية طموحة لتحديث الدولة، ركزت على تنويع مصادر الدخل، وتقليل الاعتماد على النفط، وتعظيم الاستفادة من احتياطيات الغاز الطبيعي، عبر استثمارات استراتيجية ضخمة في عمليات التنقيب والإنتاج والصناعات المرتبطة به.
وأدت هذه السياسات إلى تحقيق طفرة اقتصادية غير مسبوقة، انعكست على ارتفاع الإيرادات العامة، وتعزيز مكانة قطر بين أكبر الدول المصدرة للغاز الطبيعي في العالم، إلى جانب نمو الاقتصاد الوطني وتحسن مؤشرات التنمية والقدرة التنافسية.
كما شهدت البلاد خلال تلك المرحلة نهضة عمرانية واسعة غيرت المشهد الحضري للإمارة، ورسخت مكانتها باعتبارها واحدة من أسرع الاقتصادات نموًا في المنطقة.
الإنسان أولاً.. رهان التنمية المستدامة
لم تقتصر خطط التطوير على الاقتصاد والبنية التحتية، بل أولى الأمير اهتمامًا كبيرًا ببناء الإنسان، من خلال توجيه استثمارات كبيرة إلى قطاعي التعليم والصحة، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين للتنمية المستدامة.
وأسهمت هذه السياسات في تحسين مستوى الخدمات العامة، ورفع مستويات المعيشة، وخفض معدلات البطالة، إلى جانب زيادة نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، الأمر الذي انعكس على تقدم قطر في مؤشرات التنمية الدولية.
سياسة خارجية صنعت نفوذ الدوحة
على المستوى الخارجي، انتهج الشيخ حمد بن خليفة سياسة نشطة عززت حضور قطر في القضايا الإقليمية والدولية، مع تركيز خاص على دعم القضايا العربية والإسلامية، وتبني أدوار الوساطة في عدد من النزاعات.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2012، أصبح الشيخ حمد أول زعيم عربي يزور قطاع غزة المحاصر، في خطوة حملت دلالات سياسية وإنسانية واسعة، كما زار لبنان في يوليو/تموز 2010، مشيدًا بالمقاومة اللبنانية التي تصدت للعدوان الإسرائيلي عام 2006.
وساطات صنعت محطات مفصلية في المنطقة
برزت قطر خلال عهده كوسيط إقليمي فاعل، إذ رعت اتفاق الدوحة عام 2008 بين الأطراف اللبنانية، والذي أنهى أزمة سياسية استمرت نحو عام ونصف، كما احتضنت وثيقة الدوحة لسلام دارفور عام 2011 بين الحكومة السودانية والحركات المسلحة، إضافة إلى إعلان الدوحة عام 2012، الهادف إلى إنهاء الانقسام الفلسطيني، في إطار جهودها لتعزيز الاستقرار وتسوية النزاعات.
تنازل استثنائي عن السلطة
في خطوة غير مسبوقة في العالم العربي، أعلن الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في 25 يونيو/حزيران 2013 نقل السلطة إلى نجله وولي عهده الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وذلك قبل يومين فقط من مرور 18 عامًا على توليه الحكم.
واعتُبر هذا القرار سابقة سياسية بارزة، إذ أصبح أول زعيم عربي منذ المشير عبد الرحمن سوار الذهب يتخلى طوعًا عن السلطة، قبل أن يصدر الشيخ تميم، عقب توليه الحكم، أمرًا أميريًا باعتماد لقب "صاحب السمو الأمير الوالد" رسميًا لوالده.
مونديال 2022... إنجاز تاريخي للعالم العربي
شهد ديسمبر/كانون الأول 2010 محطة فارقة في تاريخ قطر، بعدما فازت بحق استضافة بطولة كأس العالم لكرة القدم 2022، لتصبح أول دولة عربية وإسلامية تستضيف الحدث الرياضي الأكبر عالميًا، وهو إنجاز ارتبط بمشروع الدولة الذي قاده الأمير، وعكس التحول الكبير الذي شهدته البلاد على مختلف المستويات.
تكريم دولي لمسيرة حافلة
حظي الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني بتقدير واسع من العديد من الدول، التي منحته عشرات الأوسمة الرفيعة تقديرًا لدوره في تعزيز العلاقات الثنائية وتطوير التعاون الدولي، ومن أبرز تلك الأوسمة، وسام الملك عبد العزيز من المملكة العربية السعودية عام 1976، ووشاح الفارس من وسام القديس ميشيل والقديس جورج من المملكة المتحدة عام 1979، ووسام "جراند أوفيسييه دو لا ليجيون دونور" من فرنسا عام 1980، ووسام عُمان من الطبقة الأولى عام 1995، ووسام الأسد من السنغال عام 1998، ووشاح الاستحقاق الألماني (الصليب الأكبر) عام 1999، والوسام المحمدي من المملكة المغربية عام 2002، إضافة إلى وسام القائد الأعلى من الدرجة الأولى من البرتغال عام 2009.
إرث يتجاوز الحدود
برحيل الأمير الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، تفقد قطر أحد أبرز صناع نهضتها الحديثة، وقائدًا ارتبط اسمه بتحولات اقتصادية وسياسية وتنموية غير مسبوقة، وخلال سنوات حكمه، انتقلت الدولة إلى مرحلة جديدة من الحضور الدولي، ورسخت مكانتها لاعبًا مؤثرًا في الملفات الإقليمية والدولية، بينما سيبقى إرثه حاضرًا بوصفه أحد أبرز القادة الذين أعادوا تشكيل المشهد القطري، وأسهموا في ترسيخ مكانة البلاد على الساحتين الإقليمية والعالمية.

