وفاة السيناتور الأميركي ليندسي غراهام حليف إسرائيل الأكثر تشددا.. ماذا نعرف عنه؟
ملخص :
أعلن مكتب السيناتور الأميركي الجمهوري، ليندسي غراهام، عبر منصة "إكس"، صباح اليوم الأحد، وفاة عضو مجلس الشيوخ عن ولاية كارولاينا الجنوبية، بعد إصابته المفاجئة بمرض عاجله في وقت قصير مساء أمس السبت، ونعى مدير الاتصالات في مكتبه الراحل في بيان مقتضب، جاء فيه أن "عائلة السيناتور تقدّر دعواتكم في هذا الوقت العصيب، وتطلب احترام خصوصيتها خلال هذه الفترة الشديدة القسوة عليها".
ويطوي هذا الرحيل صفحة من أبرز الصفحات في تاريخ الكونغرس الأميركي المعاصر، إذ يُعدّ غراهام واحدا من أكثر الوجوه الجمهورية حضورا وتأثيرا في ملفي السياسة الخارجية والدفاع، ومن أشد المدافعين عن التحالف الأميركي الإسرائيلي، بمواقف أثارت جدلا واسعا داخل الولايات المتحدة وخارجها.
نشأة متواضعة صقلتها المسؤولية المبكرة
وُلد ليندسي أولين غراهام في التاسع من يوليو/تموز عام 1955 بولاية كارولاينا الجنوبية، لأسرة بروتستانتية متواضعة الحال، إذ كان والداه، فلورنس جيمس وميلي غراهام، يديران مطعما صغيرا يضم صالة بلياردو ومتجرا لبيع الخمور.
وترعرع وسط هذه البيئة العملية، حيث عاشت الأسرة في غرفة ملحقة بالمطعم، وشارك غراهام منذ صغره في العمل داخل صالة البلياردو، وهو ما شكّل ملامح شخصيته العملية لاحقا.
غير أن حياته اتخذت منعطفا قاسيا أثناء دراسته الجامعية، حين فقد والدته، ثم والده بعد 15 شهرا فقط، فوجد نفسه فجأة مسؤولا عن شقيقته الصغرى دارلين، التي كانت -آنذاك- في الثالثة عشرة من عمرها، فتولى رعايتها وإدارة تجارة الأسرة، قبل أن يحصل رسميا على الوصاية القانونية عليها، هذه التجربة المبكرة في تحمّل الأعباء العائلية شكّلت، بحسب مقربين منه، أساسا لصلابته السياسية اللاحقة.
المسار التعليمي والعسكري: من صفوف الجامعة إلى بزّة الطيران
تلقى غراهام تعليمه الثانوي في مدرسة دانيال المركزية، وتخرج فيها عام 1973، ليكون أول أفراد أسرته الذي يلتحق بالجامعة، والتحق بجامعة كارولاينا الجنوبية في مدينة كولومبيا، ونال منها درجة البكالوريوس في كلية الحقوق عام 1977، ثم أتبعها بدرجة الدكتوراه في القانون عام 1981.
وعقب تخرجه مباشرة، التحق غراهام بالقوات الجوية الأميركية، حيث عمل ضمن هيئة المحامين العامين في فيلق تدريب الضباط، متنقلا بين موقعي الدفاع والادّعاء العسكري على مدى ست سنوات، قضى أربعا منها في قاعدة "راين ماين" الجوية بألمانيا، وتولى خلالها قضايا متفرقة بين أوروبا والولايات المتحدة، لينهي هذه المرحلة عام 1988.
بعد تسريحه من الخدمة الفعلية، عمل محاميا مساعدا في مقاطعة أوكوني، ثم تدرّج ليصبح محامي المدينة حتى عام 1994، موازيا ذلك بخدمته في الحرس الوطني الجوي لولاية كارولاينا الجنوبية بين عامي 1989 و1995، قبل أن ينضم إلى صفوف الاحتياط في القوات الجوية، التي بقي فيها حتى إحالته إلى التقاعد.
واللافت أن غراهام واصل ارتداء الزي العسكري الرسمي حتى بعد دخوله مجلس الشيوخ، وأدّى خدمات احتياطية فعلية إبّان الغزو الأميركي لأفغانستان والعراق مطلع الألفية الثالثة، قبل أن يختتم مسيرته العسكرية بالتقاعد رسميا عام 2015، بعد 33 عاما من الخدمة المتصلة.
الصعود السياسي: من مجلس الولاية إلى قبة الكابيتول
بدأت المسيرة التشريعية لغراهام من داخل مجلس نواب ولاية كارولاينا الجنوبية، ممثلا للحزب الجمهوري بين عامي 1992 و1994، قبل أن يقفز إلى الكونغرس الفدرالي عبر انتخابه عضوا في مجلس النواب الأميركي عام 1994.
وفي عام 2002، حقق قفزته الأكبر بفوزه بمقعد في مجلس الشيوخ، خلفا للسيناتور الراحل، ستروم ثورموند، الذي توفي في العام التالي.
وقد أعيد انتخاب غراهام لعضوية مجلس الشيوخ مرارا، آخرها في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني 2020، حين تغلّب على منافسه الديمقراطي جيمي هاريسون، الذي كان قد أثار الأنظار حينها بجمعه تمويلا انتخابيا ضخما لم يُترجم في النهاية إلى فوز.
وتقلّد غراهام مواقع تشريعية بارزة، أهمها رئاسة اللجنة القضائية بمجلس الشيوخ، التي شغلها من العاشر من يونيو/حزيران 2019 حتى الثالث من فبراير/شباط 2021، وهو المنصب الذي منحه نفوذا واسعا في ملفات التعيينات القضائية والتشريعات الأمنية.
مغامرة رئاسية قصيرة العمر
في الأول من يونيو/حزيران 2015، أعلن غراهام دخول سباق الترشح لرئاسة الولايات المتحدة عن الحزب الجمهوري لانتخابات 2016، منضما إلى قائمة ضمّت تسعة منافسين آنذاك، ودعا في مقابلات صحفية أجراها في الأيام الأولى من حملته إلى تبني الحزب الجمهوري خطابا أكثر انفتاحا وشمولا لمختلف شرائح الناخبين.
غير أن حظوظه الانتخابية لم ترتقِ إلى مستوى طموحه، فأعلن في ديسمبر/كانون الأول من العام ذاته تعليق حملته الرئاسية، ولم يكتفِ بذلك، بل ذهب في السادس من مايو/أيار 2016 إلى رفض التصويت لأي من مرشحي الحزبين الكبيرين في الانتخابات العامة، في موقف عكس حينها خلافه العلني مع المرشح الجمهوري دونالد ترامب.
علاقة متقلبة مع ترامب: من الخصومة إلى التحالف الوثيق
شهدت العلاقة بين غراهام والرئيس الأميركي دونالد ترامب تحولات لافتة عبر السنوات، فبعدما وصفه بـ "الأحمق" خلال المنافسة الرئاسية عام 2015، تطورت العلاقة بينهما تدريجيا نحو تحالف سياسي وثيق، وفي عام 2018 عبّر غراهام صراحة عن رغبته في نجاح ترامب في الحكم.
إلا أن هذا التقارب لم يمنعه من الانضمام، في الثاني عشر من يونيو/حزيران 2020، إلى مجموعة من الجمهوريين الذين أصدروا بيانا منتقدا لترامب، غير أن غراهام سرعان ما عاد لدعمه بحلول يناير/كانون الثاني 2021، مدافعا عن قرار المصادقة على نتائج الانتخابات الرئاسية، وواصفا أي اعتراض عليها بأنه "فكرة سيئة".
كما صوّت لصالح تبرئة ترامب من تهمة "التحريض على التمرد" التي وُجّهت إليه إثر اقتحام أنصاره مبنى الكونغرس في السادس من يناير/كانون الثاني 2021، وهي المحاكمة التي انتهت بعدم إدانته.
ومنذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض، رسّخ غراهام موقعه كأحد أبرز حلفائه في مجلس الشيوخ، بل إنه بحسب تقارير إخبارية، قدّم مشورة مباشرة لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، حول كيفية إقناع ترامب بشن ضربات عسكرية ضد إيران، في إطار تصعيد إقليمي شهدته المنطقة خلال عام 2026.
داعية التدخل العسكري
اشتهر غراهام طوال مسيرته بمواقفه المتشددة في السياسة الخارجية، ولُقّب في أوساط سياسية بـ "صقر الحرب" لدعوته المتكررة إلى تدخلات عسكرية أميركية في مناطق نزاع متعددة، فقد كان من أبرز المطالبين بإرسال 10 آلاف جندي أميركي إلى العراق لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية، محمّلا الرئيس الأسبق، باراك أوباما، مسؤولية "الفوضى" التي عمّت العراق وسوريا.
كما دعا في مايو/أيار 2019 إلى تدخل عسكري أميركي في فنزويلا للإطاحة بالرئيس نيكولاس مادورو، وطالب بتوسيع الانتشار العسكري الأميركي في أفريقيا عقب كمين "تونغو تونغو" الذي أودى بحياة أربعة جنود أميركيين في النيجر عام 2017.
حليف إسرائيل الأكثر تشددا
الملف الذي عُرف به غراهام أكثر من غيره كان دعمه غير المشروط لإسرائيل، فقد كان من أشد المطالبين بتزويدها بكل ما تحتاجه لـ "الانتصار" في حربها على قطاع غزة، عقب السابع من أكتوبر، وبلغ تشدده ذروته حين اقترح تزويد إسرائيل بسلاح نووي لإنهاء الحرب، مستحضرا مقارنة مثيرة للجدل مع القصف الأميركي لمدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين عام 1945.
وفي الثاني عشر من مايو/أيار 2024، انتقد غراهام بشدة قرار الرئيس الأميركي، جو بايدن، تعليق تسليم نحو 3 آلاف قنبلة ثقيلة إلى الجيش الإسرائيلي، معتبرا أن هذا القرار يضرّ بسمعة الولايات المتحدة كحليف يُعتمد عليه، وذهب أبعد من ذلك بتبريره القصف النووي التاريخي، قائلا إن قرار إسقاط القنبلتين على اليابان كان "قرارا صائبا"، ومتسائلا بشكل استفزازي: "لماذا كان من المقبول أن نفعل ذلك حينها؟ أعتقد أنه أمر مقبول"، في إشارة إلى موقفه الداعي إلى منح إسرائيل قدرات نووية لإنهاء حربها على غزة على حد وصفه.
عثرة أخلاقية في مسيرته التشريعية
لم تخلُ مسيرة غراهام من محطات جدلية على الصعيد الأخلاقي، إذ وجّهت لجنة الأخلاقيات في مجلس الشيوخ، في الثالث والعشرين من مارس/آذار 2023، توبيخا رسميا للسيناتور، بعدما طلب مرارا مساهمات مالية لحملته الانتخابية خلال مقابلة إعلامية أُجريت داخل مبنى الكونغرس، معتبرة ذلك سلوكا مخالفا لقواعد مجلس الشيوخ الداخلية.
علاقات شخصية ومهنية طبعت مسيرته
عُرف غراهام بصداقته الوثيقة مع السيناتور الراحل، جون ماكين، ممثل ولاية أريزونا، والتي امتدت لسنوات طويلة وتقاسما خلالها مواقف متقاربة في قضايا السياسة الخارجية والدفاع، كما لفت غراهام الانتباه بتصريحه الشهير بأنه لم يُرسل بريدا إلكترونيا واحدا طوال حياته، في إشارة إلى نمط حياته البعيد عن التكنولوجيا الحديثة رغم انخراطه العميق في الشأن العام.
وفاة مفاجئة
في مساء السبت الحادي عشر من يوليو/تموز 2026، وبعد أيام قليلة من احتفاله بعيد ميلاده الحادي والسبعين، وبينما كان قد عاد لتوّه من زيارة إلى كييف التقى خلالها الرئيس الأوكراني، توفي ليندسي غراهام إثر مرض مفاجئ وقصير الأمد، وفق ما أكده بيان رسمي صادر عن مكتبه، ولم يقدّم المكتب أي تفاصيل إضافية بشأن طبيعة المرض، مكتفيا بالقول إن "عائلة السيناتور تقدّر دعواتكم في هذا الوقت العصيب، وتطلب احترام خصوصيتها خلال هذه الفترة البالغة الصعوبة".
ورحل غراهام وهو لا يزال في قلب المشهد السياسي الأميركي، إذ كان يخوض حملة لنيل ولاية خامسة في مجلس الشيوخ ضمن انتخابات التجديد النصفي المقررة هذا الخريف، بعدما حظي بتأييد الرئيس ترامب لترشحه.

