خسر أوراقه الرابحة: كيف تبدد رصيد نتنياهو الانتخابي قبل استحقاق أكتوبر؟
ملخص :
في كل استحقاق انتخابي خاض غماره بنيامين نتنياهو منذ توليه رئاسة الحكومة الإسرائيلية، اعتمد هو ومعسكره الحزبي على ركيزتين أساسيتين لتسويق شعبيته: الأولى تصويره بوصفه "الحارس الأمني" القادر على كبح جماح "الإرهاب" ومجابهة الطموح النووي الإيراني، والثانية استثمار علاقاته الشخصية مع الإدارات الأمريكية المتعاقبة، وفي مقدمتها علاقته الوطيدة بالرئيس، دونالد ترامب، خلال السنوات الأخيرة.
غير أن هاتين الورقتين الانتخابيتين، بحسب مقال نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت"، تصدّعتا بشكل متزامن قبيل أشهر معدودة من موعد الانتخابات، تاركتين نتنياهو أمام ناخبيه بلا الذخيرة السياسية التي اعتاد التلويح بها.
وصمة "الحارس الأمني" المهزوم
يذهب المقال إلى أن لقب "رجل الأمن" الذي التصق بنتنياهو طويلاً سيرافقه من الآن فصاعداً كوصمة لا تُمحى، باعتباره القائد الذي أشرف على أفدح انكسار عسكري في تاريخ إسرائيل، أي أحداث السابع من أكتوبر، ويحمّل الكاتب نتنياهو شخصياً مسؤولية سياسة تمويل حركة "حماس" على نحو غير مباشر عبر قراراته المتعاقبة، وتبنّيه توجهاً اعتبر الحركة "أصلاً استراتيجياً" يمكن توظيفه بدلاً من كونها تهديداً وجودياً.
غزة: انتصار عسكري مبتور
لا يتوقف سجل الإخفاقات عند حدود ما قبل الحرب، إذ يشير التحليل إلى أن إسرائيل، رغم خوضها حرباً طويلة في قطاع غزة، لم تفلح في تحقيق الحسم على حركة "حماس"، بل على العكس تماماً، الحركة على نجت من الحرب، وواصلت فرض سيطرتها الفعلية على القطاع، وهو ما يصفه الكاتب بأنه إخفاق سياسي فادح يتجاوز في خطورته الإخفاق العسكري ذاته، ويرى أن نتنياهو وحكومته لم يعجزا فحسب عن تحويل المكاسب الميدانية في أطول حرب خاضتها إسرائيل إلى مكاسب سياسية ملموسة، بل رفضا القيام بذلك أصلاً، ونتيجة لهذا القصور، بات سكان غزة رهن سيطرة حركة تعيد بناء قدراتها العسكرية تدريجياً استعداداً لجولة مواجهة مقبلة.
ويلفت الكاتب إلى أن تمكّن أنصار نتنياهو من الإعلان بين الفينة والأخرى عن تصفية قيادي أو آخر من الصف الأول في حماس لا يغيّر من حقيقة أن الواقع القائم في غزة اليوم هو حصيلة مباشرة لحسابات سياسية داخلية ضيقة الأفق، فقد فضّل نتنياهو مراراً إبقاء "حماس" ممسكة بزمام السلطة على المخاطرة بإشراك قوى عربية وفلسطينية معتدلة في إدارة القطاع، وذلك خشية أن يهدد هذا الخيار تماسك ائتلافه الحكومي.
الجبهة الشمالية وإيران: تجميد بلا حسم
ولا تختلف الصورة كثيراً على الجبهات الأخرى، فحزب الله، وفق المقال، يواصل إعادة بناء قدراته في لبنان بشكل شبه خالٍ من العوائق الجدية، رغم وجود مبادرة سياسية مع بيروت يُفترض أنها تمثل نقطة تحول، إلا أنها تبقى في جوهرها تغييراً نظرياً على الورق أكثر من كونه واقعاً ملموساً على الأرض.
أما الملف الإيراني، فيصف الكاتب بأن إسرائيل باتت رهينة لتقديرات الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، وحده: فإن شاء أن يوقف المواجهة أوقفها، وإن اختار استمرارها فستستمر، لكن دون أن يفضي ذلك بالضرورة إلى إسقاط النظام الإيراني أو إخراج مخزون اليورانيوم المخصب من الأراضي الإيرانية، وفي أفضل الأحوال، قد يقتصر الأمر على تخفيف وتيرة النشاط النووي الإيراني، وهو احتمال يصفه الكاتب بأنه مشكوك فيه هو الآخر.
الركن الثالث المنهار: العلاقة مع واشنطن والرأي العام الأمريكي
يخصص المقال جزءاً مهماً لما يعتبره الإخفاق الأكبر الثاني في مسيرة نتنياهو، وهو تراجع مكانة إسرائيل لدى الإدارة الأمريكية والرأي العام في الولايات المتحدة، ويستحضر الكاتب مقولة الرئيس الإسرائيلي الأسبق، رؤوفين ريفلين، وهو نفسه أحد أبرز أعضاء حزب الليكود، الذي حدد ثلاث ركائز لمستقبل دولة إسرائيل، وهي: (العلاقة مع الولايات المتحدة، العلاقة مع الولايات المتحدة، والعلاقة مع الولايات المتحدة)، وهذا، بحسب المقال، هو بالتحديد الركن الذي نجح نتنياهو، عن غير قصد أو بفعل حسابات آنية، في تقويضه وإضعافه على الصعيدين السياسي والأمني معاً.
ويضيف الكاتب أن مستشاري الرئيس ترامب باتوا ينظرون إلى نتنياهو بامتعاض واضح، وأن واشنطن تدفع اليوم بتحركات مفصلية في المنطقة دون استشارة حقيقية لإسرائيل، والأخطر من ذلك، بحسب المقال، أن ما يجري داخل الرأي العام الأمريكي هذه الأيام، سواء داخل الحزب الديمقراطي أو حتى داخل صفوف الحزب الجمهوري، يمثل تدهوراً سيستغرق تصحيحه سنوات طويلة، إن لم يكن أجيالاً بأكملها.
من التأييد إلى العداء: تحول الرأي العام الأمريكي
ويرصد المقال تحولاً جذرياً في مزاج الشارع الأمريكي تجاه إسرائيل، إذ كان هذا الرأي العام حتى سنوات قليلة خلت مؤيداً لإسرائيل بأغلبية واضحة، قبل أن ينقلب إلى موقف معادٍ، لا سيما تجاه حكومة نتنياهو تحديداً، ويرى الكاتب أن إسرائيل ارتكبت خلال هذه الفترة ما يكاد يكون كل خطأ ممكن في إدارة علاقتها مع الإدارة الأمريكية، وبصورة أوضح مع الرأي العام الأمريكي بشكل عام.
ويشير المقال إلى أن أعضاء من الحزبين الجمهوري والديمقراطي -على حد سواء- لم يعودوا يكتفون بتوجيه انتقادات لإسرائيل، بل باتوا يعبرون عن مواقف معادية لها بمستويات لم تكن مسبوقة من قبل، ويستشهد الكاتب بفوز عمدة نيويورك، زهران ممداني، بوصفه مؤشراً واحداً فقط من بين مؤشرات عديدة على المسار الذي تسلكه الأوساط السياسية الأمريكية، ويخلص إلى أن كل من له إلمام بالشأن الأمريكي، اقتصاداً وسياسة وإعلاماً، يدرك حجم الضرر غير المسبوق الذي لحق بمكانة إسرائيل، مع استمرار الغموض حول كيفية تجاوز هذا التصدع في السنوات المقبلة، حتى بعد الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر.
الجامعات والبودكاستات: مؤشرات على اتساع الفجوة
ويكفي، بحسب الكاتب، الاستماع إلى تصريحات نائب الرئيس الأمريكي، أو متابعة أشهر البرامج الصوتية "البودكاست" الأمريكية، أو رصد نبض الشباب داخل الحرم الجامعي، لإدراك اتجاه الرياح، ولفهم عمق المأزق الذي وضع نتنياهو وشركاؤه في الائتلاف الحكومي، وعلى رأسهم إيتمار بن غفير، وبتسلئيل سموتريتش، دولة إسرائيل فيه، ويؤكد المقال أن إسرائيل تواجه في مختلف المحافل الدولية اتهامات متكررة بارتكاب "إبادة جماعية"، وأن أي حملة دعائية إسرائيلية، إن وُجدت أصلاً بالشكل الكافي، لن تكون قادرة على تغيير هذه الرواية السائدة بأي حال من الأحوال.
ويخلص المقال المنشور في "يديعوت أحرونوت" إلى أن نتنياهو يدخل الاستحقاق الانتخابي المقبل وقد خسر ورقتيه التقليديتين معاً: صورة "رجل الأمن"، التي تحطمت على وقع هجوم السابع من أكتوبر وإخفاق إنهاء حكم حماس في غزة رغم طول أمد الحرب، وورقة العلاقة المتينة مع واشنطن، التي تصدعت مع تصاعد العداء داخل الرأي العام الأمريكي بحزبيه، ويرى الكاتب أن هذا التراجع المزدوج يضع مستقبل نتنياهو السياسي أمام اختبار غير مسبوق في تاريخه.

