بملايين الدولارات.. إسرائيل تخوض معركة جديدة لكسب الرأي العام الأمريكي
ملخص :
كشفت صحيفة "وول ستريت جورنال" عن حملة إسرائيلية واسعة النطاق تهدف إلى إعادة تشكيل الرأي العام في الولايات المتحدة، عبر استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وشبكات التسويق السياسي، في ظل تراجع غير مسبوق في صورة إسرائيل لدى الأمريكيين على خلفية الحرب في قطاع غزة والتوترات الإقليمية.
وبحسب الصحيفة، تلقى ملايين الأمريكيين خلال الأشهر الماضية رسائل نصية مولدة بالذكاء الاصطناعي من منظمة تحمل اسم "أصدقاء من أجل السلام"، وصلت من حسابات تحمل أسماء مثل "إيما" و"سارة"، واحتوت على أسئلة مصاغة بعناية لقياس توجهات المتلقين بشأن قضايا السياسة الخارجية، من بينها تأثير المحادثات بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران على الأمن العالمي.
وتندرج هذه الرسائل ضمن حملة رقمية تهدف إلى جمع البيانات وتحليل اتجاهات الرأي العام، بما يسمح بتطوير رسائل إعلامية أكثر تأثيرا تستهدف مختلف شرائح المجتمع الأمريكي.
بارسكيل يقود المشروع بصفقة تتجاوز 45 مليون دولار
وأوضحت الصحيفة أن المهندس الرئيسي لهذه الحملة هو براد بارسكيل، المستشار السابق للرئيس الأمريكي دونالد ترامب وأحد أبرز مهندسي حملاته الانتخابية، والذي تولى تنفيذ المشروع بموجب عقد تتجاوز قيمته 45 مليون دولار، ممول من الحكومة الإسرائيلية.
وتشير المعلومات إلى أن المشروع يعتمد بصورة كبيرة على الذكاء الاصطناعي لإنتاج محتوى مخصص يتلاءم مع اهتمامات كل فئة من الجمهور، في محاولة لاستعادة التأييد الشعبي الأمريكي الذي شهد تراجعا ملحوظا خلال السنوات الأخيرة نتيجة الانتقادات المتزايدة للسياسات الإسرائيلية والعمليات العسكرية في غزة.
ميزانيات ضخمة لتغيير الصورة عالميا
ولا تبدو هذه الحملة معزولة عن استراتيجية إسرائيلية أوسع، إذ أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، أواخر العام الماضي أن حكومة بلاده خصصت أكثر من 700 مليون دولار في موازنة عام 2026 لتوسيع برامج "تشكيل الوعي" وتحسين صورة إسرائيل على المستوى الدولي.
وفي إطار هذه الخطة، استعانت إسرائيل بما لا يقل عن 6 شركات أمريكية للمساعدة في تنفيذ حملات التأثير داخل الولايات المتحدة، فيما سجل نحو 36 شخصا، غالبيتهم من العاملين في مجالات التسويق والعلاقات العامة، أنفسهم كوكلاء أجانب يعملون لصالح إسرائيل، وفقا لما أوردته الصحيفة.
قلق متزايد من تراجع التأييد الأمريكي
وتعكس هذه التحركات، بحسب التقرير، حجم القلق الإسرائيلي من تصاعد المواقف السلبية تجاهها، خصوصا داخل الولايات المتحدة التي تمثل الحليف الدولي الأهم لتل أبيب، فمع استمرار الحرب على قطاع غزة وامتداد التوتر إلى ملفات إقليمية أخرى، تواجه إسرائيل تراجعا متسارعا في شعبيتها، الأمر الذي دفعها إلى توظيف عشرات الملايين من الدولارات في حملات إعلامية وإعلانية تعتمد على أحدث أدوات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تمويل منصات إعلامية محافظة ومحاولة توسيع نطاق تأثيرها داخل الأوساط السياسية والإعلامية الأمريكية.
فانس يتهم إسرائيل بمحاولة التأثير على السياسة الأمريكية
وفي تطور لافت، وجه نائب الرئيس الأمريكي، جيه دي فانس، انتقادات حادة لإسرائيل، متهما بعض مسؤوليها بمحاولة التأثير في توجهات الرأي العام الأمريكي بما يخدم استمرار المواجهة مع إيران، وخلال مشاركته في بودكاست "جو روغان إكسبيرينس" الأسبوع الماضي، قال فانس إن بعض المسؤولين الإسرائيليين "يحاولون التلاعب بالرأي العام الأمريكي وتوجيهه بما يؤدي إلى استمرار الحرب إلى أجل غير مسمى"، في إشارة إلى الضغوط المرتبطة بالمفاوضات الأمريكية الرامية إلى احتواء التصعيد مع إيران.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تتزايد فيه الانتقادات داخل الولايات المتحدة للدور الإسرائيلي في المنطقة، وسط انقسام سياسي متنامٍ بشأن طبيعة الدعم الأمريكي لتل أبيب.
استطلاعات الرأي تكشف تراجعا تاريخيا
وتعزز نتائج استطلاعات الرأي هذا التحول، إذ أظهر استطلاع أجرته مؤسسة بيو في مارس/آذار الماضي أن نحو 60% من الأمريكيين ينظرون إلى إسرائيل بصورة سلبية، وهو من أعلى معدلات الرفض المسجلة خلال السنوات الأخيرة، ويرتبط هذا التراجع، بحسب الاستطلاع، بالمواقف الأمريكية من الحرب في قطاع غزة، إضافة إلى السياسات الإسرائيلية تجاه إيران وتداعياتها على الاستقرار الإقليمي.
إسرائيل: مواجهة "المعلومات المضللة"
في المقابل، يدافع مؤيدو إسرائيل عن هذه الحملات باعتبارها وسيلة ضرورية لمواجهة ما يصفونه بحملات التضليل الإعلامي التي تقودها إيران والحركات المؤيدة للفلسطينيين في الولايات المتحدة ودول أخرى.
ومن جانبه، أكد براد بارسكيل في مقابلات إعلامية أن "التهديد الوجودي الذي تواجهه إسرائيل يتمثل في المعلومات المضللة، بغض النظر عن مصدرها"، نافيا في الوقت ذاته المشاركة في أي جهود تهدف إلى تقويض المفاوضات الأمريكية مع إيران، وموضحا أن أحد الأهداف الرئيسية لمشروعه يتمثل في رصد أبرز المخاوف والانطباعات السائدة لدى الأمريكيين بشأن إسرائيل، ثم نقل تلك البيانات إلى الحكومة الإسرائيلية للاستفادة منها في صياغة رسائل أكثر فاعلية.
جدل حول علاقة المشروع بالإعلام المحافظ
وأثار المشروع مزيدا من الجدل بسبب ارتباط بارسكيل بمجموعة "سالم ميديا"، التي تشرف على عدد من أشهر البرامج الإذاعية والبودكاست المحافظة في الولايات المتحدة، ويعمل ضمنها عدد من الشخصيات المقربة من الرئيس دونالد ترامب، من بينهم لارا ترامب.
وبحسب الوثائق التي اطلعت عليها الصحيفة، نص العقد الأول المبرم مع إسرائيل على دمج رسائل ترويجية داخل المحتوى الإعلامي الذي تبثه الشبكة وقنواتها المختلفة، وأثار ذلك انتقادات من شخصيات بارزة في التيار المحافظ، أبرزها ستيف بانون، كبير الاستراتيجيين السابق لترامب، الذي تساءل عن كيفية إدارة واحدة من أكبر الشبكات الإعلامية المحافظة بواسطة شخصية مسجلة كوكيل أجنبي.
في المقابل، نفت "سالم ميديا" دفع أي أموال لمقدمي برامجها مقابل الترويج لإسرائيل، مؤكدة أن الأموال خُصصت لشراء إعلانات على الشبكة تجاوزت قيمتها نصف مليون دولار.
استهداف الكنائس والجامعات والمؤثرين
وتشير الوثائق أيضا إلى أن إسرائيل لم تقتصر على الإعلام التقليدي، بل وسعت نطاق حملاتها لتشمل المؤسسات الدينية والجامعات ووسائل التواصل الاجتماعي، فقد قدمت مجموعة تحمل اسم "شو فايث باي ورك" خطة لاستهداف رواد الكنائس الكبرى وطلاب الجامعات المسيحيين في جنوب غرب الولايات المتحدة، مع توقع الوصول إلى نحو أربعة ملايين شخص، عبر حملة تقدر تكلفتها بأكثر من ثلاثة ملايين دولار.
ووفقا للوثائق، تضمنت الخطة تعزيز الصورة الإيجابية لإسرائيل، مقابل ربط الفلسطينيين بالفصائل المسلحة والمتطرفة، إلى جانب التواصل مع شخصيات عامة ومؤثرين، من بينهم ممثلون ورياضيون ونجوم في دوري كرة السلة الأمريكي، بهدف توسيع دائرة التأثير الجماهيري.
محاولة لاختراق معاقل اليسار الأمريكي
ولم تقتصر الجهود على الأوساط المحافظة، إذ كشفت الصحيفة أن إسرائيل سعت أيضا إلى التأثير في قواعد الحزب الديمقراطي، بعدما عمقت الحرب على غزة الانقسامات داخل اليسار الأمريكي بشأن استمرار الدعم العسكري والسياسي لإسرائيل.
وتظهر الوثائق أن الحكومة الإسرائيلية ووكلاءها المسجلين أجروا مدفوعات لشركات يملكها عدد من صناع المحتوى والمؤثرين على الإنترنت، ضمن حملات أوسع للتواصل مع جمهورهم، من دون أن تثبت الوثائق دفع مبالغ مباشرة مقابل نشر محتوى مؤيد لإسرائيل.
وتعكس هذه التحركات، بحسب التقرير، إدراك إسرائيل أن معركة النفوذ لم تعد تقتصر على الدبلوماسية التقليدية، بل أصبحت تدور أيضا في فضاء الإعلام الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث باتت صناعة الرواية والتأثير في اتجاهات الرأي العام أحد أبرز ميادين الصراع السياسي.

