بين المبادئ والمصالح.. هل أصبحت "الصفقات مع الشيطان" قاعدة السياسة في عهد ترامب؟
ملخص :
طرحت صحيفة "نيويورك تايمز" نقاشًا واسعًا حول واحدة من أكثر الإشكاليات تعقيدًا في الفكر السياسي: إلى أي مدى يمكن للسياسي أن يتخلى عن بعض المبادئ أو القيم التي يؤمن بها، إذا كان المقابل تحقيق مصلحة وطنية أكبر أو منع ضرر يعتبره أكثر خطورة؟
هذا السؤال، الذي رافق السياسة عبر التاريخ، عاد بقوة إلى المشهد الأمريكي في ظل ولاية الرئيس، دونالد ترامب، حيث باتت القرارات السياسية تُقاس بصورة متزايدة بمنطق المفاضلة بين خيارات غير مثالية، واختيار ما يُنظر إليه باعتباره "الأقل سوءًا".
وفي حوار مطول شارك فيه الكاتب بريت ستيفنز، والصحفي روبرت سيغل، والكاتبة مولي جونغ-فاست، ناقش المتحاورون ما وصفوه بتحول متزايد في السياسة الأمريكية نحو ما أطلقوا عليه "صفقات مع الشيطان"، في إشارة إلى قبول تحالفات أو مواقف مثيرة للجدل، انطلاقًا من الاعتقاد بأن البديل قد يكون أكثر خطورة على المؤسسات أو المصالح الوطنية.
منطق "البديل الأسوأ" يفرض نفسه على واشنطن
بدأ النقاش من قضية ترشيح تود بلانش لمنصب وزير العدل بشكل دائم، وهي خطوة أثارت جدلًا داخل الأوساط السياسية الأمريكية، ورغم أن بريت ستيفنز لم يخفِ تحفظاته على بلانش، فإنه رأى أن رفض تعيينه قد يؤدي إلى نتيجة يعتبرها أكثر ضررًا، تتمثل في دفع ترامب إلى اختيار شخصية أكثر ارتباطًا به وأقل التزامًا بالمعايير المؤسسية، أو الإبقاء على بلانش في موقع القائم بأعمال الوزير، بما قد يؤدي إلى إضعاف دور مجلس الشيوخ وآليات الرقابة الدستورية.
ومن هنا، يرى المشاركون في الحوار أن السؤال السياسي لم يعد يتمحور فقط حول: "هل الشخص المرشح مناسب؟"، بل أصبح يدور حول سؤال أكثر واقعية وبراغماتية: "هل البديل سيكون أسوأ؟"
وهذا المنطق، بحسب المتحاورين، أصبح حاضرًا بقوة في عملية صنع القرار داخل واشنطن، حيث يجد السياسيون أنفسهم أمام خيارات محدودة بين ما يرونه مقبولًا نظريًا وما يمكن تحقيقه عمليًا.
ليندسي غراهام.. نموذج التحول بين المعارضة والتأثير
احتل السيناتور الراحل، ليندسي غراهام، موقعًا مركزيًا في هذا النقاش، باعتباره أحد أبرز الأمثلة على الصراع بين الالتزام بالمبادئ السياسية والحسابات الواقعية للنفوذ والتأثير، فقد كان غراهام في بدايات عهد ترامب من أشد المنتقدين له، قبل أن يتحول لاحقًا إلى أحد أبرز حلفائه داخل الحزب الجمهوري، هذا التحول دفع كثيرين إلى اتهامه بالتخلي عن مواقفه السابقة مقابل الحفاظ على نفوذه السياسي.
وكان بريت ستيفنز من بين المنتقدين لهذا المسار، إذ قال إنه اعتبر لفترة طويلة أن غراهام اختار النفوذ على حساب المبادئ، لكنه أعاد تقييم تجربته بعد وفاة السيناتور، بالنظر إلى ما اعتبره أدوارًا لعبها في ملفات دولية مهمة.
وبحسب ستيفنز، فإن غراهام ساهم في الدفع نحو فرض عقوبات على روسيا، وفي إقناع ترامب باتخاذ مواقف أكثر دعمًا لأوكرانيا، إضافة إلى المساعدة في حماية التزامات الولايات المتحدة تجاه حلف شمال الأطلسي "الناتو"، في وقت كان كثيرون يخشون من تراجع واشنطن عن دورها التقليدي داخل الحلف.
وهنا يبرز السؤال المركزي: لو اختار غراهام البقاء في صفوف المعارضة وخسر قدرته على التأثير داخل إدارة ترامب والحزب الجمهوري، فهل كانت النتائج ستكون أفضل بالنسبة لأوكرانيا والأمن الأوروبي؟
ويرى ستيفنز أن الإجابة ليست محسومة، وأن بعض التنازلات السياسية التي تبدو أخلاقيًا أو مبدئيًا مرفوضة قد تنتج في بعض الحالات نتائج عملية يصعب تجاهلها.
مخاطر المساومة مع ترامب: تأثير مؤقت أم مقامرة سياسية؟
في المقابل، حذرت مولي جونغ-فاست من خطورة بناء استراتيجية سياسية على أساس القدرة على التأثير في ترامب أو توجيه قراراته من الداخل، وترى جونغ-فاست أن شخصية ترامب السياسية تتسم بدرجة عالية من التقلب، وأن قراراته قد تتغير وفقًا للشخص الأخير الذي يتحدث معه أو الظروف السياسية المحيطة به، ما يجعل أي محاولة للتأثير عليه من خلال التحالفات الداخلية رهانًا غير مضمون.
ومع ذلك، أقرت بأن السياسة بطبيعتها لا تخلو من المساومات، وأن السياسيين غالبًا ما يضطرون إلى إخفاء بعض مواقفهم أو تأجيل بعض قناعاتهم من أجل الحفاظ على النفوذ، والوصول إلى أهداف يعتبرونها أكثر أهمية على المدى الطويل.
وبذلك يعود الجدل إلى النقطة الأساسية: هل المشاركة في لعبة سياسية معقدة تفرض تنازلات مؤقتة يمكن أن تكون وسيلة لتحقيق أهداف أكبر، أم أنها تؤدي تدريجيًا إلى تآكل المبادئ التي يفترض أن تحكم العمل السياسي؟
الديمقراطيون أمام الاختبار ذاته
ولا يرى المشاركون في الحوار أن هذه المعضلة تخص الحزب الجمهوري وحده، إذ يواجه الحزب الديمقراطي بدوره تحديات مشابهة مع تصاعد نفوذ التيار التقدمي والاشتراكي الديمقراطي داخل قواعده.
ويتمثل السؤال أمام القيادة الديمقراطية في كيفية التعامل مع هذا التيار: هل تقدم تنازلات للحفاظ على وحدة الحزب واستيعاب القواعد الغاضبة، أم أن هذه التسويات قد تدفع الحزب بعيدًا عن الناخبين المعتدلين الذين غالبًا ما يحسمون الانتخابات الأمريكية؟
ويحذر ستيفنز من أن الانجراف نحو أقصى اليسار قد يمنح الجمهوريين وترامب تحديدًا خصمًا سياسيًا مثاليًا، على غرار الطريقة التي استفاد بها ترامب سابقًا من حالة الغضب داخل القاعدة المحافظة ضد النخبة التقليدية للحزب الجمهوري.
بين البراغماتية والتخلي عن القيم
في الخلاصة، يقدم ستيفنز رؤية تعتبر أن السياسة الأمريكية لم تعد تدور فقط حول مواجهة بين أصحاب المبادئ وأصحاب المصالح، بل أصبحت صراعًا بين طرفين متناقضين: من لا يضعون حدودًا أخلاقية واضحة في سبيل تحقيق أهدافهم، ومن يسعون إلى الحفاظ على نقاء مبدئي كامل قد يمنعهم أحيانًا من تحقيق نتائج ملموسة.
وبين هذين الاتجاهين، تضيق مساحة السياسي البراغماتي الذي يقبل بتقديم تنازلات مؤلمة بهدف تحقيق مكاسب استراتيجية أو حماية مؤسسات يرى أنها أهم من المعارك السياسية اليومية.
ويخلص الحوار إلى أن التحدي الحقيقي أمام السياسيين لم يعد يتمثل في تجنب التنازلات بشكل كامل، لأن السياسة بطبيعتها تقوم على التسويات، وإنما في تحديد الخط الفاصل بين البراغماتية التي تخدم المصلحة العامة، والتفريط الذي يؤدي إلى فقدان المبادئ.
وفي ظل التحولات العميقة التي تشهدها الولايات المتحدة، يبدو أن "صفقات الشيطان" لم تعد مجرد استثناءات سياسية، بل أصبحت جزءًا من معادلة الحكم وصناعة القرار في واشنطن.

