غضب واسع في مصر بعد استضافة قناة لصحفي إسرائيلي.. فما القصة؟
ملخص :
استضافت قناة "القاهرة والناس" المصرية الصحفي الإسرائيلي، جدعون ليفي، في مداخلة هاتفية ضمن برنامج يقدمه الإعلامي إيهاب قاسم، مما أثار موجة واسعة من الغضب والانتقادات في الأوساط الإعلامية وعلى منصات التواصل الاجتماعي، بعدما اعتبر كثيرون أن توقيت الاستضافة، في ظل استمرار الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، لا ينسجم مع المزاج الشعبي العربي، فضلا عن الجدل الذي رافق بعض التصريحات التي أدلى بها الضيف بشأن شبه جزيرة سيناء.
وانصبت الانتقادات على جانبين رئيسيين؛ الأول يتعلق بمنح مساحة إعلامية لصحفي إسرائيلي في هذه المرحلة الحساسة، والثاني يتصل بطريقة إدارة الحوار، إذ رأى منتقدون أن مقدم البرنامج لم يتصد لما وصفوه بمغالطات وردت على لسان الضيف، الأمر الذي ضاعف حدة ردود الفعل وأدخل القضية في دائرة الجدل الإعلامي والسياسي.
القناة تسحب الحلقة وتعلن مراجعة شاملة
ومع تصاعد موجة الانتقادات، أعلنت قناة "القاهرة والناس" سحب الفقرة التي تضمنت استضافة جدعون ليفي من شاشتها ومن جميع منصاتها الرقمية، مؤكدة أن القرار يأتي إلى حين استكمال مراجعة مختلف الجوانب المتعلقة بإعداد الحلقة وآلية تقديمها.
وقالت القناة، في بيان رسمي، إن هذه الخطوة تنطلق من التزامها بالمعايير المهنية والثوابت الوطنية، مشيرة إلى أنها تقدر جميع الملاحظات والانتقادات التي تلقتها من الجمهور ومن المؤسسات الإعلامية والمنصات الرقمية، وأنها تتعامل معها بروح من المسؤولية والاحترام.
وشددت على أن رسالتها الإعلامية ستبقى قائمة على احترام وجدان المجتمع المصري وقيمه الوطنية، مع الاستمرار في تطبيق أعلى المعايير المهنية في جميع المواد والبرامج التي تقدمها.
نقابة الإعلاميين تتدخل
وفي تطور لاحق، أصدرت نقابة الإعلاميين في مصر، برئاسة النقيب طارق سعدة، قرارا يقضي بمنع الإعلامي إيهاب قاسم من الظهور عبر أي وسيلة إعلامية، مع اتخاذ الإجراءات اللازمة بحقه، معتبرة أنه خالف ميثاق الشرف الإعلامي ومدونة السلوك المهني.
وأوضحت النقابة أن القرار جاء على خلفية استضافة الصحفي الإسرائيلي، معتبرة أن مقدم البرنامج سمح لضيفه بطرح معلومات وصفتها بـ "المغالطات والأخطاء الفادحة" دون مراجعتها أو تصويبها أو مواجهتها أثناء الحوار، مؤكدة أن المسؤولية المهنية تقع على عاتق من يدير النقاش ويشرف على مجرياته.
تصريحات عن سيناء تشعل الغضب
وكانت تصريحات جدعون ليفي بشأن شبه جزيرة سيناء محور الجدل الأبرز، بعدما قال خلال المقابلة إن بعض الإسرائيليين لا ينظرون إلى سيناء باعتبارها جزءا من الأراضي المصرية، وإنما يعدونها منطقة لا تتبع أحدا.
وأثارت هذه التصريحات موجة استياء واسعة بين المتابعين، الذين اعتبروها مساسا بالسيادة المصرية وترويجا لروايات مرفوضة تاريخيا وسياسيا، مطالبين بضرورة التصدي لمثل هذه الادعاءات داخل أي منصة إعلامية وعدم تركها تمر دون تفنيد أو رد.
كما رأى ناشطون أن استضافة شخصية إسرائيلية، حتى وإن كانت معروفة بمعارضتها لسياسات الحكومة الإسرائيلية، لا يمكن فصلها عن السياق السياسي الراهن، في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة وما خلفته من غضب واسع في الشارع العربي.
مصطفى بكري: ما حدث يتجاوز التطبيع إلى المساس بالسيادة
ودخل الإعلامي وعضو مجلس النواب المصري مصطفى بكري على خط الأزمة، موجها انتقادات حادة إلى قناة "القاهرة والناس" وإلى مقدم البرنامج، معتبرا أن ما جرى يمثل تجاوزا خطيرا للثوابت الوطنية.
وقال بكري، في تدوينة نشرها عبر حساباته الرسمية، إن صمت المذيع تجاه ادعاءات الضيف الإسرائيلي بشأن سيناء يمثل موقفا غير مقبول، معتبرا أن عدم الرد على تلك التصريحات أو دحضها يعد مشاركة في تمرير رواية تمس السيادة المصرية، متسائلا عن الجهات التي قد تستفيد من نشر مثل هذه السرديات، مؤكدا أن القضية لا تتعلق فقط بمسألة التطبيع الإعلامي، وإنما تمس الحقيقة التاريخية والوطنية المصرية، بحسب تعبيره.
صدى واسع داخل الإعلام الإسرائيلي
وامتد صدى الأزمة إلى وسائل الإعلام الإسرائيلية، إذ أشار مراسل "هيئة البث الإسرائيلية"، روعي كايس، إلى أن المقابلة أثارت عاصفة من الرفض داخل مصر، موضحا أن تداعياتها لم تقتصر على الجدل الشعبي، بل انتهت بإجراءات مهنية تمثلت في منع مقدم البرنامج من الظهور وإحالته للتحقيق.
وفي الوقت ذاته، طالب عدد من النشطاء والإعلاميين بإعادة تقييم سياسات استضافة شخصيات إسرائيلية في وسائل الإعلام المصرية، ووضع ضوابط أكثر تشددا لمثل هذه اللقاءات، خاصة في ظل الظروف الإقليمية الراهنة وتصاعد الغضب الشعبي تجاه إسرائيل.
إيهاب قاسم يدافع عن نفسه
وعقب تصاعد الأزمة، نقلت وسائل إعلام مصرية تصريحات منسوبة للإعلامي إيهاب قاسم، أبدى خلالها استغرابه من حجم ردود الفعل التي صاحبت الحلقة، معتبرا أن ما تعرض له يدخل في إطار حملة تشويه تجاهلت مضمون الحوار وركزت على اجتزائه، ومشيرا إلى أن جدعون ليفي يعد من أكثر الصحفيين الإسرائيليين حضورا على الشاشات العالمية والعربية، موضحا أن ضيفه وصف إسرائيل خلال المقابلة بأنها دولة متطرفة وتمثل، بحسب تعبيره، وجها لليهودية العسكرية.
وأضاف أن الابتسامة التي ظهرت عليه أثناء الحوار كانت ذات طابع ساخر ولم تحمل أي دلالة أخرى، مشيرا كذلك إلى أن الضيف تحدث بإيجابية عن مصر خلال المقابلة.
ماذا نعرف عن جدعون ليفي؟
ويعد جدعون ليفي أحد أبرز الصحفيين الإسرائيليين وأكثرهم إثارة للجدل داخل إسرائيل، إذ يكتب مقالا أسبوعيا في صحيفة "هآرتس"، ويعرف بمواقفه اليسارية المعارضة لسياسات الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة.
ويركز ليفي في مقالاته وكتاباته وتحليلاته على انتقاد الاحتلال الإسرائيلي وسياسات الجيش تجاه الفلسطينيين، ويدعو بصورة متكررة إلى إنهاء الاحتلال ووقف الانتهاكات التي يتعرض لها الفلسطينيون، كما يهاجم الخطاب السياسي الإسرائيلي الذي يبرر استمرار الصراع.
ورغم تعرضه لحملات انتقاد واسعة واتهامات متكررة بالخيانة من قبل تيارات اليمين الإسرائيلي، يواصل تقديم خطاب مناهض للرواية الرسمية داخل إسرائيل، إذ يصف ما يعتبره حالة إنكار أخلاقية داخل المجتمع الإسرائيلي، ويسلط الضوء على معاناة الفلسطينيين، ما جعله يمثل أحد أبرز الأصوات الإسرائيلية المعارضة للسياسات التوسعية والاستيطانية.

