بين خميني وخامنئي.. هل تكرر طهران "شرب كأس السم" مرة أخرى؟
ملخص :
مرّت قبل أيام الذكرى الـ 38 لاعتماد مجلس الأمن الدولي القرار رقم (598)، الذي وضع حدًا للحرب الإيرانية العراقية التي استنزفت البلدين طوال 8 سنوات، وبدلًا من أن تمر هذه الذكرى مرور الكرام، كما جرت العادة في السنوات الماضية، فجّرت هذا العام نقاشًا سياسيًا وفكريًا حادًا داخل إيران، تجاوز حدود استعادة الماضي إلى مقاربة راهنة شديدة الحساسية: هل تشبه الظروف التي أرغمت مؤسس الجمهورية الإسلامية، آية الله روح الله الخميني، على قبول وقف إطلاق النار في 18 يوليو/تموز 1988، الظروف التي تعيشها إيران اليوم في مواجهتها المفتوحة مع الولايات المتحدة الأمريكية؟
لم يكن قبول الخميني بالقرار الأممي -آنذاك- مجرد إجراء دبلوماسي عابر، بل كان لحظة فارقة وصفها هو شخصيًا بأنها أقسى قرار اتخذه في حياته، حين قال إن الموافقة عليه أشبه بـ "شرب كأس مسمومة"، بعدما كان قد تعهد مرارًا بمواصلة القتال حتى إسقاط نظام الرئيس العراقي الراحل، صدام حسين، واليوم، وبعد نحو أربعة عقود، تستعيد النخبة السياسية والإعلامية الإيرانية تلك اللحظة التاريخية، لكن هذه المرة في سياق مختلف تمامًا: مواجهة مع القوة العظمى الأولى في العالم، لا مع جار إقليمي.
هذا الجدل يعيد إلى الواجهة الانقسام التقليدي داخل النظام الإيراني بين تيارين رئيسيين: تيار براغماتي يدعو إلى قراءة واقعية للموازين الدولية والإقليمية، وتيار متشدد يرفض أي مقارنة بين الأمس واليوم، ويرى في الدعوة إلى المرونة السياسية تنازلًا مجانيًا لا مبرر له.
قراءة البراغماتيين: الحكمة السياسية تعلو على الشعارات
يذهب أنصار التيار البراغماتي في إيران إلى أن قرار الخميني عام 1988 لم يكن ضعفًا أو هزيمة، بل كان تجسيدًا لقيادة سياسية رشيدة تُقدّم المصلحة الوطنية العليا على التمسك الحرفي بالشعارات والمواقف المبدئية، مهما بلغت قداستها الرمزية، ووفق هذه القراءة، فإن الخميني أدرك في تلك اللحظة أن الاستمرار في الحرب سيقود البلاد إلى مزيد من الانهيار على المستويات العسكرية والاقتصادية والاجتماعية، في ظل تظافر الدعم الدولي على العراق، وتصدّع الجبهة الداخلية الإيرانية، وتنامي مخاطر انخراط أمريكي مباشر في المعركة.
ويرى هؤلاء أن الدرس المستخلص من تلك التجربة لا يزال صالحًا اليوم بحذافيره: فالدبلوماسية ليست نقيضًا للقوة، بل أداة من أدواتها، وعلى صانع القرار أن يدرك أن تحقيق كل الأهداف دفعة واحدة أمر غير واقعي، وأن الاكتفاء بمكاسب جزئية أفضل بكثير من الانجرار إلى حرب استنزاف مفتوحة النهاية.
وفي هذا السياق، استعاد الصحفي والناشط السياسي الإصلاحي، أحمد زيدآبادي، واقعة دالة، مفادها أن الخميني، حين تيقّن من أن استمرار حرب دامت 8 سنوات لم يعد يخدم مصالح البلاد العليا، تحمّل بمفرده وطأة هذا القرار الوجودي، ومضى في تجرّع "الكأس المسمومة" على حد وصفه، رغم إصراره المعلن سابقًا على مواصلة القتال حتى سقوط نظام صدام حسين، وهذه الواقعة، بحسب زيدآبادي وأنصار هذا الطرح، تُبرز أن القيادة الحكيمة أحيانًا تقتضي التضحية بالمواقف الشخصية والشعارات لصالح بقاء الدولة واستقرارها.
قراءة المتشددين: لا مجال للمقارنة بين الضعف والقوة
في المقابل، يرفض التيار المتشدد جملةً وتفصيلًا أي مقارنة بين الظرف الذي أفضى إلى القرار (598) عام 1988 والمشهد الراهن، ويستند أصحاب هذا الطرح إلى أن قبول طهران بوقف إطلاق النار -آنذاك- جاء نتيجة عجز عسكري فعلي، أما اليوم، فالمعطيات - بحسب هذا الفريق - معكوسة تمامًا: فإيران باتت تمتلك قدرة فعلية على الفعل والتأثير في الساحة الإقليمية، وإلحاق أضرار مباشرة بالقوات الأمريكية، بل وتهديد حرية الملاحة الدولية في مضيق هرمز، أحد أكثر الممرات المائية حيوية في العالم.
ومن هذا المنطلق، يخلص المتشددون إلى أن الظرف الحالي لا يستدعي أي مزيد من التنازلات أو التصعيد المضاد، وأن كل دعوة إلى تقديم تنازلات سياسية إنما تصب في مصلحة الخصم لا في مصلحة إيران.
ومن أبرز الأصوات التي تبنّت هذا الموقف، الناشط السياسي والإعلامي وحيد يمين بور، الذي ذهب إلى أن موافقة الجمهورية الإسلامية على وقف إطلاق النار عام 1988 جاءت بدافع العجز الفعلي، أما اليوم، فرغم أن واشنطن تمتلك ترسانة تكنولوجية عسكرية تفوق بأشواط ما كانت عليه في تلك الحقبة، إلا أنها - بحسب يمين بور - عاجزة عن فتح ممر بحري لا يتجاوز عرضه 30 كيلومترًا، بينما تحكم إيران قبضتها على هذا المضيق في معركة يصفها بأنها "مصيرية" تتعلق بمستقبل البلاد ومستقبل المنطقة برمّتها.
موقف القيادة: لا استعداد لتكرار "القرار المؤلم"
وفي ظل تصاعد وتيرة الهجمات الأمريكية على الأراضي والمصالح الإيرانية، وما رافق ذلك من خيبة أمل واسعة عقب انهيار مذكرة التفاهم التي جمعت طهران وواشنطن، يبدو أن القيادة الإيرانية - رغم الانقسامات الداخلية الحادة بين البراغماتيين والمتشددين - لا تُبدي في المرحلة الراهنة أي مؤشرات على استعدادها لاتخاذ قرارات مؤلمة وصعبة، على غرار ذلك القرار التاريخي الذي اتخذه الخميني قبل ثمانية وثلاثين عامًا.
ولا يعكس هذا التمنّع مجرد إحساس بالاطمئنان أو حالة من انعدام الثقة التام في الإدارة الأمريكية فحسب، بل يكشف أيضًا عن إدراك عميق لدى صانع القرار الإيراني لضرورة تحويل المكتسبات الميدانية والاستراتيجية التي راكمتها طهران خلال المواجهة الأخيرة - وفي مقدمتها السيطرة الفعلية على مضيق هرمز - إلى ضمانات أمنية واقتصادية طويلة الأمد، حتى وإن اقتضى ذلك تحمّل مخاطر إضافية مرتبطة باستمرار حالة التصعيد القائمة.
حين لا يتناقض السلاح مع طاولة المفاوضات
وتذهب القيادة الإيرانية إلى ما هو أبعد من ذلك، إذ ترى أنه لا يوجد بالضرورة أي تعارض جوهري بين السعي المبدئي إلى التفاوض لإنهاء الحرب، وبين التمسك الحازم بحقوق إيران ومصالحها الحيوية العليا، وقد تجلّى هذا الطرح في مقال نُشر على منصة إعلامية إيرانية تُنسب إلى عناصر مقربة من المجلس الأعلى للأمن القومي، اعتبر أن استعادة ذكرى القرار(598) تُذكّر بميلاد رؤية استراتيجية متكاملة، تجمع بين الاستعداد الدائم لاستخدام القوة العسكرية عند الضرورة، وبين انتهاج المسار الدبلوماسي كخيار موازٍ لا بديل منقطع الصلة به.
ويشدد المقال على أن أخطر خطأ استراتيجي يمكن الوقوع فيه هو التعامل مع "الحرب" و"السلام" باعتبارهما مفهومين متناقضين لا يلتقيان؛ إذ يُصوَّر كل من يدعو إلى التفاوض وكأنه قد تنكّر لخيار المقاومة، ويُصوَّر كل من يُعلي من شأن القوة العسكرية وكأنه أغلق نهائيًا باب الحوار والتفاهم.
ويخلص المقال إلى أن اختبار النظام السياسي الحقيقي لا يكمن فقط في قدرته على خوض المعارك، بل يتجاوز ذلك إلى قدرته على تحديد التوقيت الأمثل لتغيير ساحة الصراع من الميدان العسكري إلى الميدان السياسي والقانوني، ووفق هذا المنطق، لم تكن موافقة الخميني على وقف إطلاق النار مع العراق إيذانًا بنهاية المقاومة، بل كانت بمثابة انتقال استراتيجي لهذه المقاومة من رحاب المعركة العسكرية إلى رحاب الساحة السياسية والقانونية الدولية.
درس التاريخ في زمن المواجهة المفتوحة مع واشنطن وتل أبيب
تكتسب هذه التجربة التاريخية اليوم زخمًا استثنائيًا يفوق أي مرحلة سابقة، فقد خاضت إيران، خلال الأشهر الأخيرة، مواجهة عسكرية ضارية مع كل من الولايات المتحدة و"الكيان الصهيوني"، أثبتت من خلالها أنها لا تتردد لحظة واحدة في الدفاع عن سيادتها الوطنية وأمنها القومي واستقلال قرارها، وأنها - إن فُرضت عليها الحرب فرضًا - سترد ردًا مناسبًا وحاسمًا يتناسب مع حجم التهديد.
بيد أن تلك المواجهة، على قسوتها، كشفت حقيقة استراتيجية بالغة الأهمية: حتى أنجح العمليات العسكرية لا تضع حدًا نهائيًا للتنافس القائم بين الخصوم، فما إن تخمد أصوات المدافع وتصمت الأسلحة، حتى تنتقل المعركة إلى ساحات أخرى موازية لا تقل ضراوة: ساحة الدبلوماسية، وساحة القانون الدولي، وساحة الاقتصاد، وساحة الإعلام والرأي العام العالمي، ومن هنا، إذا كانت القدرة الصاروخية، والمنظومة الدفاعية، والتماسك الوطني الداخلي، تمثل أهم أصول إيران في أيام الحرب المباشرة، فإن الدبلوماسية الرشيدة والمفاوضات المركّزة والإدارة السياسية الحكيمة ستشكل، في مرحلة ما بعد الحرب، الرافعة المكمّلة والضرورية لتلك القوة الصلبة.

