الحرب الإيرانية- الأمريكية تدخل مرحلة الاستنزاف وخيار تغيير النظام يعود إلى الواجهة
ملخص :
في تحليل نشرته صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية، يرى الكاتب جدعون راتشمان، أن الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران دخلت مرحلة أكثر تعقيدا، بعدما تراجعت التوقعات بإمكانية تحقيق حسم عسكري سريع، وبرزت داخل دوائر صنع القرار في واشنطن نقاشات متزايدة بشأن خيارات بديلة، من بينها إعادة إحياء فكرة تغيير النظام الإيراني، في ظل تعثر المسار الدبلوماسي وتصاعد كلفة المواجهة.
ويعتبر الكاتب أن إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، تواجه معضلة إستراتيجية متفاقمة، قد تدفع الولايات المتحدة إلى الانخراط في صراع طويل الأمد بالشرق الأوسط، بما يشبه تجارب سابقة استنزفت القدرات العسكرية والسياسية الأمريكية دون تحقيق أهدافها النهائية.
من الحسم العسكري إلى أهداف أكثر محدودية
ويشير راتشمان إلى أن الخطاب السائد داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية الأمريكية شهد تحولا واضحا خلال الفترة الأخيرة، إذ تراجعت الطموحات المتعلقة بتحقيق "انتصار حاسم" على إيران، لتحل محلها أهداف أكثر واقعية وأقل سقفا.
وبحسب الكاتب، باتت الأولويات الأمريكية تتركز على ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز ومنع طهران من فرض رسوم على السفن العابرة، إضافة إلى إعادة القيود المفروضة على البرنامج النووي الإيراني إلى مستويات قريبة من تلك التي نص عليها الاتفاق النووي المبرم خلال إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما.
إلا أن راتشمان يبدي تشككا في قدرة واشنطن على تحقيق هذه الأهداف، معتبرا أن الوقائع الميدانية والسياسية تجعل تنفيذها أكثر تعقيدا مما يبدو في التصريحات الرسمية.
مضيق هرمز.. ورقة الضغط الإيرانية
ويؤكد الكاتب أن إيران تبدو ماضية في استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط إستراتيجية، عبر السعي إلى فرض رسوم على السفن التجارية المارة، وهو ما قد يوفر لها موردا اقتصاديا كبيرا، فضلا عن امتلاك أداة تأثير مستمرة في أسواق الطاقة العالمية وخطوط الإمداد الدولية.
ويرى أن هذا السيناريو يضع الولايات المتحدة أمام معادلة صعبة، إذ لا تبدو مستعدة، وفق تقديره، لإطلاق عملية برية واسعة لفرض السيطرة على المضيق وإعادة فتحه بالقوة العسكرية، ناقلا عن تقديرات لخبراء عسكريين قولهم إن أي عملية من هذا النوع ستتطلب حشدا ضخما قد يصل إلى مئات الآلاف من الجنود، فضلا عن فترة زمنية طويلة، الأمر الذي يزيد من كلفة الخيار العسكري ويقلل فرص اللجوء إليه.
تنامي القدرات العسكرية الإيرانية
وفي سياق متصل، يحذر راتشمان من استمرار تطور القدرات العسكرية الإيرانية، ولا سيما في مجال الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، معتبرا أن واشنطن تنظر بقلق إلى احتمالات حصول طهران على دعم تقني وعسكري من روسيا والصين خلال السنوات المقبلة.
ويشير إلى أن هذا الدعم، إذا تحقق، قد يتيح لإيران امتلاك منظومات تسليح أكثر تطورا، تتميز بمدى أبعد ودقة أعلى، بما يسمح لها بتهديد أهداف إستراتيجية في المنطقة، من بينها مفاعل ديمونة الإسرائيلي وقاعدة دييغو غارسيا الأمريكية، إلى جانب مواصلة استهداف القوات الأمريكية المنتشرة في الشرق الأوسط.
عودة خيار تغيير النظام
ويعتبر الكاتب أن تضاؤل فرص التوصل إلى اتفاق سياسي مع طهران أعاد طرح خيار تغيير النظام الإيراني داخل الأوساط الأمريكية، وهو الخيار الذي يرى أن الرئيس دونالد ترامب، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو راهنا عليه منذ المراحل الأولى للحرب.
إلا أن الرهان، بحسب راتشمان، اصطدم بعدم تحقق توقعات اندلاع احتجاجات داخلية واسعة قادرة على إحداث تغيير سياسي من الداخل، الأمر الذي دفع الإدارة الأمريكية إلى إعادة تقييم أدوات الضغط المتاحة.
وفي هذا الإطار، يلفت إلى أن واشنطن كثفت العقوبات المفروضة على قطاع النفط الإيراني، مع مواصلة سياسة الضغط الاقتصادي الهادفة إلى إنهاك الاقتصاد الإيراني، بالتوازي مع محاولات لاستقطاب شخصيات من داخل مؤسسات الدولة الإيرانية، وإحياء مقترحات قديمة تتعلق بتقديم الدعم لبعض قوى المعارضة.
تحذير من حرب استنزاف طويلة
ورغم تعدد الخيارات المطروحة، يحذر راتشمان من أن مسار التصعيد يحمل مخاطر متزايدة بالنسبة للولايات المتحدة، إذ إن كل جولة جديدة من المواجهة تؤدي، بحسب تقديره، إلى ارتفاع الخسائر البشرية والعسكرية، وتدفع واشنطن نحو انخراط أعمق في نزاع مفتوح يصعب تحديد نهايته.
كما يشير إلى أن العمليات العسكرية المستمرة استهلكت جزءا كبيرا من مخزون الولايات المتحدة من صواريخ "توماهوك" ومنظومات الدفاع الجوي "باتريوت"، وهو ما قد يؤثر في جاهزية القوات الأمريكية للتعامل مع أزمات أخرى حول العالم.
انعكاسات تتجاوز الشرق الأوسط
ويختتم الكاتب تحليله بالتحذير من أن استمرار الحرب مع إيران لن يقتصر أثره على الشرق الأوسط، بل قد ينعكس على مجمل الإستراتيجية الأمريكية العالمية، عبر استنزاف الموارد العسكرية والسياسية لواشنطن وتقليص قدرتها على التعامل مع تحديات دولية أكثر حساسية.
ويؤكد أن هذا السيناريو قد يضعف استعداد الولايات المتحدة لمواجهة أي تصعيد محتمل في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، ولا سيما في حال تفاقم التوتر مع الصين بشأن تايوان، بما يفتح الباب أمام اختبارات إستراتيجية متزامنة قد تتجاوز قدرة واشنطن على إدارتها بكفاءة.

