قلق في معسكر ترامب: هل تتحول انتخابات التجديد النصفي إلى استفتاء على مصير "ماغا"؟
ملخص :
تتزايد الدلائل على تنامي حالة من الترقب المشوب بالحذر داخل دائرة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، مع اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي، في وقت بات فيه عدد من قياديي الحزب الجمهوري يقرّون صراحة بصعوبة الاحتفاظ بالأغلبية البرلمانية، وأمام هذا الواقع، بدأ الحزب يميل نحو اعتماد نهج مغاير في إدارة معركته الانتخابية، يقوم على تحويل هذا الاستحقاق المفصلي إلى ما يمكن وصفه بـ "اقتراع الاستقطاب والنفور"، بدلا من خوضه على أساس الإنجازات والبرامج.
وبعد قرابة عامين على عودة ترامب إلى سدة الحكم، تظهر ملامح انعطافة لافتة داخل الصف الجمهوري، إذ حلّت مشاعر الترقب والانزعاج تدريجيا محل النشوة والثقة اللتين طبعتا الأشهر الأولى من ولايته الثانية، وتتصاعد في المقابل مخاوف حقيقية من أن يفقد الحزب سيطرته على الكونغرس، في ظل تراجع مستمر في مؤشرات شعبية الرئيس، وتصدعات متزايدة العمق داخل تحالف "لنجعل أمريكا عظيمة مجددا" المعروف اختصارا بـ "ماغا".
وتُجمع تقارير وتحليلات صادرة عن وسائل إعلامية أمريكية مرموقة على أن نوعا من "الإحباط الصامت" بات يتسلل إلى قواعد هذا التحالف الشعبوي، بالتوازي مع تراجع منسوب التأييد للحزب الجمهوري ككل، واتساع رقعة الخلافات بين ترامب وعدد من أبرز حلفائه، إضافة إلى تفاقم القلق من تبعات التصعيد العسكري مع إيران، وارتفاع كلفة الوقود، واستمرار الاحتقان الاقتصادي الذي يثقل كاهل الناخب الأمريكي العادي.
من النشوة إلى الإحباط: تحول المزاج في واشنطن
ترى الكاتبة، سالي كوين، في مقال نشرته صحيفة "نيويورك تايمز"، أن المزاج السياسي السائد في العاصمة واشنطن قد تبدل بصورة جوهرية مقارنة بالأجواء التي سادت في الأشهر الأولى من الولاية الرئاسية الثانية لترامب، فبعدما كان أنصاره يحتفون بما وصفوه حينها بـ "ثورة ماغا" التي اجتاحت دهاليز العاصمة، يشعر كثير منهم اليوم، وفق تعبيرها، بخيبة أمل وقلق متصاعد إزاء ما يحمله المستقبل القريب.
وتضيف كوين أن قطاعا واسعا من الجمهوريين بات يتساءل بصوت مسموع عن جدوى النهج السياسي الحالي، لا سيما في ظل استمرار المواجهة مع طهران، وتراجع النفوذ الأمريكي على الساحة الدولية، وارتفاع أسعار الوقود، وهي ملفات بدأت تثير موجة من التذمر حتى في صفوف الموالين لمشروع ترامب أنفسهم.
"كونغرس الزومبي": تراجع النواب الجمهوريين عن الدفاع العلني
لا يقتصر هذا التحول على المزاج الشعبي العام فحسب، بل يتغلغل عميقا في أروقة الحزب الجمهوري ذاته، فبحسب ما ترصده الكاتبة، بدأ عدد متزايد من أعضاء الكونغرس الجمهوريين بالنأي بأنفسهم تدريجيا عن مهمة الدفاع العلني عن الرئيس، في ظاهرة أطلقت عليها تسمية "كونغرس الزومبي"، حيث يتجنب كثير من هؤلاء النواب الدخول في مواجهة صريحة مع ترامب، لكنهم في الوقت ذاته لم يعودوا على استعداد لتحمّل الكلفة السياسية للدفاع عن سياساته، قبل أشهر قليلة من موعد الاقتراع.
تصدع التحالف المحافظ: شخصيات بارزة تبتعد عن الصف
تشير "نيويورك تايمز" أيضا إلى اتساع رقعة الخلافات بين ترامب وعدد من الشخصيات المحافظة ذات التأثير الواسع في الشارع الأمريكي، من أمثال تاكر كارلسون، وميغن كيلي، وكانديس أوينز، وأليكس جونز، وآن كولتر، إضافة إلى النائبة السابقة، مارجوري تايلور غرين، ويعكس هذا التباعد تصدعا فعليا داخل التحالف الذي شكّل، على مدى السنوات الماضية، العمود الفقري لحركة "ماغا".
وفي ظل هذا المشهد، يعيش الحزب الجمهوري حالة من التفكك الداخلي، وسط اتهامات موجهة لترامب بأنه "يتخلص من حلفائه" فور تحوّلهم إلى عبء سياسي عليه، مع اعتراف واسع في الأوساط الجمهورية بأن الاستحقاق الانتخابي المقبل سيكون الأشد صعوبة منذ عودته إلى الحكم.

إستراتيجية "انتخابات الكراهية": رهان الجمهوريين البديل
وبحسب تقرير نشره موقع "أكسيوس"، يدرك مسؤولو الحزب الجمهوري أن الظروف الانتخابية الراهنة لا تصب في مصلحتهم، ولذلك تبنوا مقاربة مختلفة تقوم على تحويل الانتخابات إلى ما يمكن تسميته بـ "انتخابات الكراهية"، أي السعي لإقناع الناخبين بأن البديل الديمقراطي أسوأ بكثير من الخيار الجمهوري القائم.
ونقل التقرير عن مسؤول جمهوري مقرب من الدائرة السياسية لترامب قوله إن تحقيق الفوز لن يكون عبر تعزيز شعبية الحزب في حد ذاتها، بل عبر تغذية شعور الناخبين بالنفور المتزايد تجاه الديمقراطيين، غير أن استطلاعات الرأي التي استند إليها التقرير لا تمنح الجمهوريين كثيرا من الاطمئنان، إذ تلمّح إلى احتمال حصول الديمقراطيين على أغلبية مريحة في مجلس النواب، في ظل استمرار تراجع نسب الرضا عن أداء ترامب.
كما نقل الموقع عن أحد خبراء استطلاعات الرأي الجمهوريين قوله إن الناخبين يريدون من الرئيس التركيز على تحسين أوضاعهم المعيشية اليومية، لا الاستمرار في العودة إلى ملف انتخابات عام 2020، ونظريات المؤامرة المرتبطة بها، أو مواصلة الهجوم على ما يصفه بـ "الدولة العميقة".
"الدولة العميقة" بنسخة ترامب: تفكيك المؤسسات أم إصلاحها؟
في هذا السياق، يوضح المؤرخ الأمريكي، جوليان زيليزر، في مقال نشرته مجلة "فورين بوليسي"، أن خطاب ترامب بشأن "الدولة العميقة" يختلف جوهريا عن الانتقادات التي وجهها ليبراليون للأجهزة الأمنية خلال سبعينيات القرن الماضي.
فبينما كانت تحقيقات السيناتور، فرانك تشيرش، في تلك الحقبة، تستهدف فرض رقابة أشد صرامة على أجهزة الاستخبارات وتعزيز الضوابط الديمقراطية على عملها، يرى زيليزر أن ترامب يوظف هذا الخطاب اليوم لتبرير توسيع صلاحيات المؤسسة الرئاسية، وإقصاء المسؤولين الذين لا يبدون ولاء مطلقا له شخصيا.
ويحذر الكاتب من أن هذا النهج يعمّق الاستقطاب السياسي في البلاد، ويضعف المؤسسات التي يُفترض أن تشكل صمام أمان وتوازنا في مواجهة تغول السلطة التنفيذية.
الديمقراطيون ليسوا في وضع أفضل: انقسامات "بلو ماغا"
في المقابل، لا تبدو صورة المعسكر الديمقراطي مثالية بدورها، فقد رصدت "نيويورك تايمز" تصاعد الانقسامات الداخلية في صفوف الحزب، خصوصا مع انتشار مصطلح "بلو ماغا"، الذي يستخدمه ناشطون من اليسار لاتهام الديمقراطيين المعتدلين بالانصياع الأعمى لتوجهات المؤسسة الحزبية التقليدية، وهو ما يعكس احتداما متصاعدا في الصراع بين الجناحين المعتدل والتقدمي داخل الحزب.
ويراهن الجمهوريون على أن تفضي هذه الانقسامات الداخلية إلى دفع الناخبين المستقلين بعيدا عن الديمقراطيين، من خلال تصوير الحزب على أنه بات رهينة لهيمنة التيار اليساري الراديكالي.
غير أن استطلاعات حديثة استشهد بها تقرير "أكسيوس" توحي بأن هذا الرهان قد لا يكون كافيا وحده لقلب المعادلة، إذ بات بعض الناخبين ينظرون إلى مرشحي "ماغا" بسلبية أكبر مما ينظرون به إلى مرشحي التيار الاشتراكي الديمقراطي، وهو مؤشر يثير قلقا متزايدا داخل أوساط الحزب الجمهوري.
استحقاق يتجاوز حدود صندوق الاقتراع
وبين تراجع شعبية ترامب من جهة، وتنامي الانقسامات داخل معسكره من جهة أخرى، وصعوبة صرف أنظار الناخبين عن وطأة الضغوط الاقتصادية المتفاقمة، تبدو انتخابات التجديد النصفي المقبلة أبعد بكثير من كونها استحقاقا انتخابيا اعتياديا يتكرر دوريا.
وبناء على ما تقدم، فإن هذه الانتخابات قد تكون بمثابة محطة فاصلة تحدد مصير مشروع "ماغا" برمته، وتكشف ما إذا كانت هذه الحركة الشعبوية قادرة على استعادة زخمها وتجديد التفافها الجماهيري، أم أنها دخلت بالفعل مرحلة الأفول والتراجع، بعد سنوات من الهيمنة شبه الكاملة على المشهد السياسي الأمريكي.

