الخديعة التي لم تعد سراً.. كيف وقع ترامب ضحية لتضليل نتنياهو؟
ملخص :
أكد دوغ باندو، وهو باحث في معهد "كاتو" للأبحاث بواشنطن، وشغل سابقا منصب المساعد الخاص للرئيس الأسبق، رونالد ريغان، خلال حديثه لمنصة "Going Underground"، أن ترامب يعتقد أنه تعرض لـ "غش وخديعة" من جانب نتنياهو، بعدما لم تفلح الحرب في تحقيق الحسم العسكري السريع الذي وُعد به.
ولفت الباحث الأمريكي إلى أن ترامب لا يُكِنّ، بحسب تقديره، أي "ولاء خاص" لرئيس الوزراء الإسرائيلي، موضحا أن الرابطة بين الزعيمين تحكمها اليوم حسابات المصلحة السياسية أكثر مما تحكمها أي صداقة أو انسجام شخصي، موضحا أن ترامب راهن، فيما يبدو، على تعهدات إسرائيلية بحسم المعركة خلال أيام معدودة، عبر إضعاف طهران بشكل قاطع، وربما إحداث تحول في بنية الحكم فيها، وصولا إلى مشهد ختامي احتفالي يوازي "استعراضا عسكريا للانتصار"، غير أن شيئا من هذه التوقعات لم يتجسد على أرض الواقع.
طموح داخلي أُجهض
بيّن باندو أن الرئيس الأمريكي كان يعوّل على أن تمنحه نتائج المواجهة مكسبا سياسيا يوظفه في الداخل الأمريكي، من خلال الإعلان عن انتصار خاطف يرفع من رصيده الشعبي، إلا أن إطالة أمد الصراع وتصاعد تكلفته العسكرية والسياسية وضعا إدارته أمام معادلات أكثر تعقيدا مما كان متوقعا.
وشدد على أن ترامب "يدرك تماما أنه وقع ضحية للتضليل"، وأن مجريات الحرب انحرفت عن السيناريو الذي رُسم له مسبقا، الأمر الذي أثار قلقا داخل محيطه السياسي من انعكاسات ذلك على شعبية الحزب الجمهوري، وربما خسارته الأغلبية في الكونغرس لصالح الديمقراطيين.
غريزة "البقاء السياسي" في مواجهة "الغرور"
رأى باندو أن مسار تعاطي ترامب مع الحرب مستقبلا قد يتحدد بما وصفه بـ "غريزة البقاء السياسي"، وهي غريزة قد تدفعه، بحسب تقديره، إلى البحث عن مخرج سريع يُنهي التورط في الأزمة.
وفي المقابل، حذّر المحلل من أن ترك القرار لما أسماه "غرور" ترامب دون كوابح قد يفضي إلى تصعيد خطير يضع العالم على "حافة الهاوية"، لكنه استدرك بالقول إن حرص الرئيس على إرثه السياسي وصورته أمام الرأي العام قد يكون الدافع الأقوى لاتخاذ قرار بإنهاء المواجهة أو تقليص الانخراط فيها.
تحالف "استراتيجي" تتقاذفه الحسابات
تأتي قراءة باندو في وقت تتكاثر فيه التقارير الأمريكية والإسرائيلية التي تتحدث عن توترات غير مُعلنة بين ترامب ونتنياهو حول إدارة الحرب مع إيران، رغم أن العلاقة بينهما كانت تُوصف بأنها من أوثق الروابط السياسية التي جمعت رئيسا أمريكيا برئيس وزراء إسرائيلي، لا سيما خلال الولاية الأولى لترامب.
وبحسب ما تداولته وسائل إعلام أمريكية، فقد بنى ترامب توقعاته على أن تُحقق إسرائيل إنجازات عسكرية كبرى في غضون فترة قصيرة، تشمل تقويض القدرات الاستراتيجية الإيرانية، وربما تمهيد الطريق أمام تحولات سياسية داخل طهران، وهو سيناريو كان سيمنحه ورقة قوية في مواجهة خصومه الداخليين، باعتباره إنجازا خارجيا يُحسب له.
لكن اتساع رقعة المواجهة وتصاعد المخاطر الإقليمية والاقتصادية دفعا الإدارة الأمريكية إلى مراجعة حساباتها، وسط تخوف من الانزلاق نحو حرب مطولة تستنزف الموارد الأمريكية وتُثقل كاهل البيت الأبيض بأعباء سياسية إضافية.
واشنطن وتل أبيب.. رؤيتان متباعدتان
وتُشير تقارير إعلامية إلى تباين واضح في تصور كل من العاصمتين لمستقبل الصراع مع إيران؛ فبينما جدد ترامب في أكثر من مناسبة تأكيده على تجنب الحروب الطويلة والامتناع عن التورط في نزاعات مفتوحة، مع إبقاء الباب مواربا أمام الخيار الدبلوماسي، واصل نتنياهو الإصرار على ضرورة مواصلة الضغط العسكري حتى تُستكمل أهداف الحرب.
وتذهب مصادر سياسية إلى أن جوهر الخلاف لا يقتصر على العمليات العسكرية وحدها، بل يمتد إلى طبيعة الغاية النهائية من المواجهة؛ إذ تسعى إسرائيل، وفق هذه التقارير، إلى إحداث تحول جذري في موازين القوى الإقليمية، في حين تركز واشنطن على تحصيل مكاسب استراتيجية محسوبة دون تحمل أعباء حرب واسعة النطاق.
وفي هذا الإطار، نقلت شبكة "CNN" وموقع "Axios" أن ترامب عقد خلال الفترة الماضية سلسلة من الاجتماعات مع كبار القادة العسكريين والأمنيين في غرفة العمليات بالبيت الأبيض، لبحث الخيارات المطروحة إزاء إيران.
وبحسب تلك التقارير، تناولت النقاشات سيناريوهات متعددة، تراوحت بين توسيع نطاق العمليات العسكرية والإبقاء على قنوات التفاوض مفتوحة، بما يعكس حالة من التذبذب داخل الإدارة الأمريكية بين خياري التصعيد والاحتواء.
وبينما واصل ترامب، في تصريحاته العلنية، التأكيد على دعمه لإسرائيل، تحدثت تقارير عن تصاعد الخلافات خلف الكواليس بشأن تقييم نتائج الحرب، ومدى قدرتها على بلوغ الأهداف المعلنة، فضلا عن تداعياتها على المشهد الداخلي الأمريكي.
ورغم أن العلاقة بين الرجلين لطالما اعتُبرت من أكثر العلاقات السياسية دفئا بين رئيس أمريكي ورئيس وزراء إسرائيلي، فإن مجريات الحرب مع إيران كشفت عن حدود هذا التقارب حين تتصادم الحسابات العسكرية مع المصالح السياسية الداخلية لكل طرف.
ويذهب مراقبون إلى أن تصريحات باندو تعبّر عن قراءة سياسية مفادها أن ترامب بات ينظر إلى الحرب من زاوية مغايرة، بعد أن تحولت في نظره من فرصة لإنجاز سريع إلى ملف محفوف بمخاطر سياسية وعسكرية متصاعدة.
خلاف حول لقاء مرتقب
في سياق متصل، أفادت صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية بأن مسؤولين إسرائيليين يعتقدون أن مقربين من نائب الرئيس الأمريكي، جي دي فانس، يسعون خلف الكواليس إلى الحيلولة دون عقد لقاء بين نتنياهو وترامب، خشية أن يستغل رئيس الوزراء الإسرائيلي الاجتماع لدفع الرئيس الأمريكي نحو موقف أكثر تشددا تجاه إيران.
وأوضحت الصحيفة أن موعد اللقاء لم يُحسم بعد رغم استمرار الاتصالات لترتيبه، في وقت يرغب فيه نتنياهو بزيارة واشنطن الأسبوع المقبل، لكنه يرفض السفر دون ضمانات مسبقة بعقد اجتماع مع ترامب.
وتندرج هذه المستجدات ضمن سياق أوسع من الخلافات المتصاعدة بين دائرة فانس ونتنياهو حول ملف إيران ومسار المفاوضات النووية، إذ يتهم نائب الرئيس الأمريكي أطرافا إسرائيلية بمحاولة عرقلة أي تسوية مع طهران وإطالة أمد الحرب.
ووفق الصحيفة العبرية، يعكس هذا الخلاف انقساما قائما داخل الإدارة الأمريكية بين تيار يميل إلى التسوية الدبلوماسية وتفادي التصعيد، وآخر يدعم مواصلة الضغط على إيران، وسط قلق يساور فريق فانس من تراجع مستويات التأييد لإسرائيل بين شرائح من الناخبين الأمريكيين، وبخاصة الشباب المنتمين للحزب الجمهوري.
التقارب الشخصي أمام حسابات المصلحة الداخلية
تكشف هذه المعطيات مجتمعة أن الحرب على إيران لم تكن مجرد اختبار للقدرات العسكرية والاستراتيجية، بل تحولت أيضا إلى محك حقيقي لتماسك التحالف الأمريكي-الإسرائيلي، إذ أظهرت أن التقارب الشخصي بين القادة قد يتراجع أمام حسابات المصلحة الداخلية والرهانات الانتخابية، وأن مستقبل الملف برمته بات مرهونا بمدى قدرة ترامب على الموازنة بين حرصه على "إرثه السياسي" وضغوط حلفائه الإقليميين.

