هرمز لا يحتاج إلى إغلاق رسمي حتى يهزّ أسعار العالم
انخفض عبور السفن في أحد أهم ممرات الطاقة عالميًا إلى مستويات شبه متوقفة، ما يكشف كيف يستطيع الخوف والتأمين والضربات تحقيق أثر الحصار دون إعلان قانوني بإغلاق المضيق.
ملخص :
ثلاث سفن فقط في اليوم. هذا ما سجلته بيانات تتبع الملاحة في مضيق هرمز بين 22 و24 يوليو/تموز، بعدما انخفض عدد الناقلات العابرة في يوم واحد إلى ناقلة واحدة، وهو أدنى مستوى منذ أكثر من شهرين. وفي الوقت نفسه، اقترب سعر النفط من 100 دولار للبرميل، وبدأت بعض السفن تبحث عن مسارات أطول وأكثر كلفة.
لا يوجد حتى الآن إغلاق قانوني كامل ومعترف به للمضيق. لكن بالنسبة إلى الأسواق، قد لا يكون هذا الفارق مهمًا. فعندما تتوقف الناقلات، وترفض شركات التأمين تغطية الرحلات، ويخشى البحارة الصواريخ والألغام والتشويش، يمكن للخوف أن يصنع أثر الإغلاق قبل صدور أي بيان رسمي.
مضيق صغير يحمل جزءًا ضخمًا من طاقة العالم
يقع مضيق هرمز بين إيران وعُمان، ويربط الخليج بخليج عُمان ثم بحر العرب. وفي أضيق نقطة، تنحصر الملاحة في ممرات محددة تستخدمها ناقلات النفط والغاز والسفن التجارية.
بحسب إدارة معلومات الطاقة الأميركية، مر عبر هرمز في النصف الأول من عام 2025 نحو 20.9 مليون برميل من النفط والمنتجات البترولية يوميًا، تعادل قرابة 20% من الاستهلاك العالمي ونحو ربع تجارة النفط البحرية. كما عبره أكثر من خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا، وجاءت معظم هذه الكميات من قطر.
هذه الأرقام لا تعني فقط أن المضيق مهم للدول الخليجية. آسيا هي الوجهة الرئيسية لمعظم النفط والغاز الذي يعبره، لكن أي نقص هناك يدفع المشترين إلى التنافس على الشحنات المتاحة من الولايات المتحدة وأفريقيا وأوروبا، فتنتقل الزيادة في الأسعار إلى أسواق أخرى.
لا تحتاج السفينة إلى صاروخ كي تتوقف
عند الحديث عن إغلاق هرمز، يتخيل كثيرون سفنًا حربية تمنع المرور بالقوة. لكن التجارة البحرية تتوقف أحيانًا قبل الوصول إلى هذه المرحلة.
مالك الناقلة يحسب احتمال إصابتها. شركة التأمين ترفع رسوم تغطية مخاطر الحرب أو تسحب التغطية. الطاقم قد يرفض دخول منطقة خطرة. والمشتري قد يطلب تغيير الميناء أو تأجيل الشحنة. كل قرار منفرد يبدو تجاريًا، لكن مجموع هذه القرارات يحوّل الممر المفتوح نظريًا إلى طريق شبه مهجور.
كما أن بيانات التتبع لا تعرض الصورة كاملة دائمًا. فقد وثّق صندوق النقد الدولي حالات تشويش على نظام تحديد المواقع وتلاعبًا بإشارات نظام التعريف الآلي للسفن، إضافة إلى سفن توقف بث موقعها، وهي ممارسة تُعرف بحركة «السفن المظلمة». لذلك قد توجد بعض الرحلات غير المرصودة، لكن ذلك لا يغيّر المؤشر العام على الانخفاض الحاد.
ماذا يتغير عندما تنخفض الحركة؟
التأثير لا يظهر فقط في سعر برميل النفط. اضطراب الممر يفتح سلسلة من التكاليف:
- ارتفاع رسوم التأمين والنقل البحري.
- زيادة أسعار النفط والغاز والكهرباء.
- منافسة أقوى بين آسيا وأوروبا على شحنات الغاز المسال.
- ارتفاع تكلفة الأسمدة والبتروكيماويات والسلع المنقولة بحرًا.
- ضغط إضافي على الدول المستوردة للطاقة والعملات الأجنبية.
وقد ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي المسال الفورية في آسيا إلى أعلى مستوى خلال أربعة أشهر، وسط تقديرات بأن استمرار الأزمة قد يخفض الصادرات القطرية بصورة كبيرة مقارنة بمستويات العام الماضي.
تملك السعودية والإمارات خطوط أنابيب تسمح بنقل جزء من النفط بعيدًا عن المضيق. لكن إدارة معلومات الطاقة تقدر القدرة الإضافية المتاحة لهذه المسارات بنحو 2.6 مليون برميل يوميًا فقط، وهي نسبة محدودة مقارنة بالكميات التي تمر عادة عبر هرمز. والأسوأ أن الطريق السعودي البديل ينتهي عند البحر الأحمر، حيث يواجه باب المندب بدوره تهديدات متزايدة.
كيف يصل الخطر إلى بلاد الشام؟
لا يعبر النفط المستورد إلى الأردن أو لبنان بالضرورة من هرمز بصورة مباشرة، لكن الأسعار العالمية لا تعترف بهذه المسافة. إذا ارتفعت كلفة الشحن أو نقص المعروض، تتحرك أسعار الوقود والكهرباء والسلع في الأسواق المستوردة.
في الأردن، يمكن أن ينعكس ذلك على فاتورة الطاقة والنقل والإنتاج. وفي لبنان وسوريا وفلسطين، حيث القدرة الاقتصادية والمالية أضعف، قد يصبح أي ارتفاع جديد في الوقود أكثر قسوة على الأسر والخدمات الأساسية.
كما أن تعطّل المضيقين، هرمز وباب المندب، في الوقت نفسه يعني أن الأزمة لم تعد تخص طريقًا واحدًا. المنطقة كلها تصبح محاطة بممرات بحرية غير مستقرة، فيما تدفع السفن ثمن المسارات الأطول حول أفريقيا، وتصل التكلفة في النهاية إلى المستهلك.
المؤشر الذي يجب مراقبته خلال الأيام المقبلة ليس فقط عدد الضربات، بل عدد السفن التي تقبل العبور، وأسعار التأمين، وحركة ناقلات الغاز القطرية، وقدرة خطوط الأنابيب البديلة على العمل. فإذا ظل الممر مفتوحًا على الخرائط لكنه فارغ في الواقع، فهل يبقى من الدقة القول إن هرمز لم يُغلق؟

