ترامب يستخدم "فزاعة الشيوعية".. هل ينجح خطاب الحرب الباردة في إنقاذ الجمهوريين انتخابيا؟
ملخص :
مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة، يبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يسعى إلى إعادة رسم أولويات النقاش العام، في محاولة لتخفيف الضغوط المتزايدة التي تواجهها إدارته، سواء على خلفية استمرار الحرب مع إيران أو بفعل التحديات الاقتصادية التي تثقل كاهل المواطنين، وفي هذا السياق، عاد الرئيس إلى توظيف خطاب سياسي يستحضر أجواء الحرب الباردة، عبر التحذير من "الخطر الشيوعي" وربط خصومه في الحزب الديمقراطي بأفكار الاشتراكية والتطرف اليساري.
وتثير هذه المقاربة تساؤلات حول مدى فعاليتها في استقطاب الناخبين، في وقت تبدو فيه القضايا المعيشية أكثر حضورا في اهتمامات الأمريكيين من السجالات الفكرية والأيديولوجية.
نقاش داخل نيويورك تايمز حول جدوى الخطاب
في حوار نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" ضمن برنامج "الآراء"، ناقشت الكاتبة، ميشيل كوتل، مع الكاتبين جيميل بوي، وديفيد فرنش، ما إذا كان إحياء خطاب "الخطر الشيوعي" يمثل إستراتيجية انتخابية قادرة على تغيير اتجاهات الرأي العام، أم أنه مجرد محاولة لتحويل الأنظار عن ملفات أكثر إلحاحا تواجه الإدارة الأمريكية.
وتركز النقاش على قدرة هذا الخطاب على التأثير في المزاج الانتخابي، في ظل بيئة سياسية واقتصادية تختلف جذريا عن الظروف التي شهدتها الولايات المتحدة خلال خمسينيات القرن الماضي.
جيميل بوي: استدعاء الماضي في واقع مختلف
يرى الكاتب جيميل بوي أن ترامب والحزب الجمهوري يعيدان استخدام أحد أبرز أساليب التعبئة السياسية التي سادت خلال حقبة الحرب الباردة، عندما كان الاتحاد السوفيتي يمثل خصما إستراتيجيا يهدد النفوذ الأمريكي والنظام الغربي.
إلا أن بوي يؤكد أن المقارنة بين المرحلتين تفتقر إلى الأساس الواقعي، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة اليوم لا تواجه تهديدا شيوعيا مماثلا، كما أن البيئة الدولية والسياسية تغيرت بصورة جذرية، ما يجعل إعادة إنتاج ذلك الخطاب أقل تأثيرا مما كان عليه في الماضي.
وبحسب بوي، فإن الهدف الحقيقي لهذه الإستراتيجية لا يتمثل في مواجهة خطر فعلي، وإنما في تكريس صورة ذهنية سلبية عن الحزب الديمقراطي، ولا سيما المرشحين الذين يتبنون توجهات قريبة من الاشتراكية الديمقراطية، عبر تصويرهم كامتداد لأفكار متطرفة قد تثير مخاوف قطاعات من الناخبين.
غير أنه يشكك في قدرة هذه المقاربة على تحقيق نتائج ملموسة، معتبرا أن الأولويات اليومية للمواطن الأمريكي باتت تتمحور حول التضخم وارتفاع أسعار الوقود والغذاء والسكن، أكثر من اهتمامها بالصراعات الفكرية أو الأيديولوجية.
ديفيد فرنش: ترامب بارع في صناعة القضايا الكبرى
من جانبه، يرى الكاتب، ديفيد فرنش، أن ترامب يمتلك خبرة سياسية وإعلامية واسعة في تحويل قضايا محدودة إلى ملفات وطنية تستقطب اهتمام الرأي العام، مستفيدا من قدرته على توجيه النقاش العام وإعادة صياغة أولويات الناخبين.
ويشير فرنش إلى أن التيار المحافظ يجيد تضخيم حضور بعض الشخصيات اليسارية وتقديمها للرأي العام باعتبارها تعبر عن الحزب الديمقراطي بأكمله، بما يسهم في ترسيخ صورة سياسية تخدم الخطاب الجمهوري.
ومع ذلك، يقر بأن الظروف الحالية لا تشبه مرحلة السيناتور، جوزيف مكارثي، التي ارتبطت بوجود خصم دولي حقيقي يمتلك نفوذا عسكريا وسياسيا كبيرا، الأمر الذي منح خطاب التخويف من الشيوعية آنذاك زخما يصعب تكراره في السياق الراهن.
الحرب مع إيران تضفي بعدا جديدا على الخطاب الانتخابي
ويربط المشاركون في النقاش بين عودة هذا الخطاب وبين إدارة ترامب للحرب مع إيران، معتبرين أن الرئيس يحاول تجنب الظهور بمظهر الخاسر في نزاع لم يحقق حتى الآن أهدافا واضحة، وفي الوقت نفسه يسعى إلى تفادي الانجرار نحو حرب طويلة قد تحمل تداعيات سياسية واقتصادية أكبر.
ويرى فرنش أن المشهد الحالي بات أقرب إلى مزيج من الحسابات الانتخابية والاستعراض السياسي، مع غياب رؤية إستراتيجية متماسكة تحدد الأهداف النهائية للصراع.
أما بوي، فيوجه انتقادات مباشرة لطريقة إدارة الحرب، معتبرا أن الإدارة الأمريكية دخلت المواجهة دون تحديد غاية سياسية واضحة، واعتمدت بصورة كبيرة على فرضية أن التفوق الجوي وحده قادر على حسم النزاعات، وهي فرضية أثبتت تجارب تاريخية عديدة محدودية فعاليتها في تحقيق نتائج سياسية مستدامة.
الاقتصاد.. العامل الحاسم في قرار الناخب
ويتفق الكاتبان على أن مستقبل خطاب "الخطر الشيوعي" لن يتحدد بمدى قوته الإعلامية، بل بقدرته على إقناع الناخب الأمريكي بتجاوز تأثير الأوضاع الاقتصادية على خياراته الانتخابية.
ويؤكد بوي أن الخطاب السياسي، مهما بلغت فاعليته، يصطدم في النهاية بالتجربة اليومية للمواطن، الذي يبني مواقفه استنادا إلى مستوى معيشته وقدرته الشرائية أكثر من اعتماده على الشعارات الأيديولوجية.
أما فرنش، فيستخدم تشبيها رياضيا لتوضيح فكرته، مشيرا إلى أن الحملات الانتخابية تستطيع تعديل اتجاهات الرأي العام بدرجة محدودة، لكنها لا تستطيع تغيير المسار العام إذا كانت المؤشرات الأساسية، وعلى رأسها الاقتصاد، تعمل ضد الحزب الحاكم.
رهان على الماضي في مواجهة تحديات الحاضر
ويخلص الحوار إلى أن ترامب يحاول إعادة صياغة المعركة الانتخابية باعتبارها صراعا بين "أمريكا المحافظة" و"التطرف اليساري"، مستندا إلى خطاب أثبت فعاليته في حقبة تاريخية مختلفة.
إلا أن نجاح هذا الرهان سيظل مرهونا بقدرة الإدارة على إقناع الناخبين بمنح الأولوية للمخاوف الأيديولوجية على حساب القضايا المعيشية، وفي مقدمتها الاقتصاد، إضافة إلى تقييمهم لنتائج سياسات الإدارة في الملفات الخارجية، وعلى رأسها الحرب مع إيران، التي قد تبقى العامل الأكثر تأثيرا في رسم المشهد الانتخابي خلال المرحلة المقبلة.

