البنتاغون في مرمى الاتهامات: هل تتعمد واشنطن التعتيم على خسائر الحرب مع إيران؟
ملخص :
فجّر مقال نشرته صحيفة "الغارديان" البريطانية موجة نقاش واسعة داخل الأوساط السياسية والإعلامية الأمريكية، بعدما وجّه اتهامات صريحة لوزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون) بانتهاج سياسة ممنهجة تهدف إلى حجب الحقائق المتعلقة بحجم الخسائر البشرية التي يتكبدها الجيش الأمريكي في حربه المستمرة مع إيران.
وبنى الصحفي، ديفيد سميث، مقاله على سلسلة من المقابلات أجراها مع مسؤولين أمريكيين سابقين، ومختصين في شؤون الأمن القومي، إلى جانب ممثلين عن منظمات مدافعة عن حرية الصحافة، في مقابل ردود رسمية من البنتاغون تنفي بشكل قاطع أي نية للتكتم أو التلاعب بالمعلومات.
بانيتا: "نهج مخزٍ" يحرم الأمريكيين من معرفة الحقيقة
استهل الكاتب تحقيقه بتصريحات لافتة أدلى بها ليون بانيتا، الذي شغل سابقا منصبي وزير الدفاع ومدير وكالة الاستخبارات المركزية، حيث وصف أسلوب تعاطي البنتاغون مع ملف الضحايا بأنه "مقاربة مخزية"، مؤكدا أن ثمة توجها متعمدا لإخفاء الحقائق عن الجمهور الأمريكي.
وشدد بانيتا على أن من صميم واجبات أي حكومة إطلاع مواطنيها على الكلفة الفعلية للحروب التي تخوضها بلادهم، مستذكرا أن قادة البنتاغون إبان حربي العراق وأفغانستان دأبوا على عقد لقاءات صحفية منتظمة لإحاطة وسائل الإعلام والرأي العام بمستجدات العمليات القتالية وحصيلة الخسائر البشرية أولا بأول.
في المقابل، يكشف المقال أن وزارة الحرب لم تنظم أي إحاطة صحفية منذ ما يقارب شهرين ونصف، وهي فترة انقطاع اعتبرها منتقدون بمثابة إشارة واضحة على تحول جوهري في نهج التعامل مع الإعلام، لا سيما أن الاتهامات الموجهة للوزارة تتمحور حول تعمّد تضييق تدفق المعلومات، خشية أن يؤجج ذلك مشاعر الغضب الشعبي مع اقتراب موعد الانتخابات النصفية.
تصعيد ميداني يعمّق المخاوف من حرب مفتوحة
يشير المقال إلى أن جبهة القتال دخلت طورا أكثر تعقيدا وخطورة عقب تداعي الهدنة الهشة التي كانت قائمة بين واشنطن وطهران، وعودة الضربات العسكرية المتبادلة بوتيرة يومية، وهو تطور غذّى المخاوف من انزلاق النزاع نحو حرب مستنزفة طويلة الأمد وباهظة الكلفة، في مفارقة صارخة مع الوعود الانتخابية التي قطعها الرئيس دونالد ترامب بالنأي عن "الحروب التي لا نهاية لها".
لافتا إلى أن حصيلة رسمية أعلنت عن مقتل 18 جنديا أمريكيا، وإصابة المئات من العسكريين الآخرين، مشددا على أن الإفصاح عن هذه الأرقام تأخر كثيرا، إذ لم تعترف الوزارة بها إلا لاحقا، وبطريقة غير مباشرة عبر منصات التواصل الاجتماعي بدلا من قنوات الإعلان الرسمية المعتادة.
فوضى الأرقام تثير الشكوك
وأثار محتوى نشر على الموقع الرسمي للبنتاغون موجة تساؤلات إضافية، بعدما تضمن أرقاما متضاربة حول حصيلة القتلى، قبل أن تبادر الوزارة إلى تبرير التباين بوصفه "خللا تقنيا عابرا" في قواعد البيانات، غير أن عددا من المسؤولين السابقين والخبراء استبعدوا أن يكون الأمر مجرد عطل إداري بسيط، معتبرين أن ما جرى يعكس بوضوح توجها إستراتيجيا مدروسا يرمي إلى التقليل من زخم التغطية الإعلامية لخسائر الحرب البشرية.
ويذهب بعض هؤلاء إلى أن الإدارة الأمريكية تدرك جيدا أن تضافر عوامل عدة، كتصاعد الأعباء الاقتصادية للحرب، وارتفاع أسعار المحروقات، وتفاقم موجة التضخم، إلى جانب تنامي الخسائر البشرية، قد يفضي إلى تآكل التأييد الشعبي للحرب، الأمر الذي سينعكس سلبا على مستقبلها السياسي ومستقبل إدارتها.
علاقة متوترة: الإعلام يُقصى والبنتاغون ينغلق
خصص المقال حيزا واسعا لتناول التوتر المتصاعد في العلاقة بين وزارة الحرب ووسائل الإعلام منذ عودة ترامب إلى سدة الحكم، موضحا أن الوزارة اتخذت حزمة إجراءات وصفها صحفيون ومنظمات معنية بحرية الصحافة بأنها غير مسبوقة في تاريخها الحديث.
ومن أبرز هذه الإجراءات إبعاد مؤسسات إعلامية بارزة عن مكاتبها المخصصة داخل مبنى البنتاغون، مقابل منح امتيازات أوسع لوسائل إعلام تُنعت بأنها أقرب فكريا وسياسيا إلى الإدارة الحالية، كما فرضت الوزارة قيودا مشددة على تنقل الصحفيين داخل أروقة المبنى، واشترطت أن تجري تحركاتهم بمرافقة موظفين رسميين، قبل أن تُقدم لاحقا على تصنيف بعض المكاتب الإعلامية كمناطق محظورة كليا على الصحفيين.
تحذيرات من "تراجع تاريخي" في الشفافية
ونقل المقال عن مسؤولين في منظمات حرية الصحافة تأكيدهم أن حجم القيود المفروضة حاليا على الإعلام داخل البنتاغون لم يشهد له مثيل طوال العقود الماضية، بما في ذلك خلال حروب كبرى كحرب الخليج والحرب في أفغانستان، معتبرين أن ما يحدث اليوم يشكل انتكاسة خطيرة في مستوى الشفافية الحكومية إزاء الرأي العام.
من الثقة إلى الانزواء: تحول لافت في خطاب هيغسيث
ويعقد المقال مقارنة بين الأسابيع الأولى للحرب، حين كان وزير الحرب، بيت هيغسيث، حاضرا بشكل دائم في المؤتمرات الصحفية، يتحدث بنبرة واثقة عن التقدم الميداني ونجاح العمليات العسكرية، وبين المرحلة الراهنة التي شهدت انحسارا ملحوظا في ظهوره الإعلامي، مقابل تصاعد لافت في حدة خطابه الهجومي تجاه المنتقدين، بالتزامن مع تنامي موجة الانتقادات الموجهة لمسار الحرب برمّته.
ويرى خبراء استطلعت الصحيفة آراءهم أن انحسار التواصل الرسمي المنتظم كثيرا يكون مؤشرا على وجود صعوبات فعلية في الميدان، أو غياب رؤية إستراتيجية واضحة لمسار الصراع، إذ إن الحكومات عادة ما تنكفئ عن تقديم المعلومات حين تفتقر إلى الثقة بنتائج عملياتها العسكرية أو بتداعياتها السياسية المحتملة.
فاتورة باهظة: الكلفة الاقتصادية تُثقل كاهل الكونغرس
لم يغفل المقال البعد الاقتصادي للحرب، مبينا أن الإنفاق العسكري عليها بلغ حتى الآن عشرات مليارات الدولارات، في وقت تتصاعد فيه الانتقادات داخل الكونغرس إزاء الطلبات المتكررة للإدارة للحصول على مخصصات مالية إضافية، دون أن تقدّم في المقابل رؤية إستراتيجية واضحة المعالم لإنهاء هذا الصراع المستمر.
الإعلام والكونغرس.. "خصوم" لا شركاء
ومن زاوية مغايرة، أورد المقال شهادات مسؤولين سابقين في مجال الأمن القومي، اعتبروا أن الإدارة الحالية باتت تتعامل مع وسائل الإعلام، بل وحتى مع الكونغرس والرأي العام ذاته، باعتبارهم أطراف خصومة سياسية أكثر من كونهم جهات يحق لها الاطلاع على تفاصيل ما يجري في ساحة الحرب، وهو ما يفسر -بحسب رؤيتهم- التشدد المتزايد في تقييد تدفق المعلومات.
البنتاغون يرد: "لا تعتيم ولا تستر"
في المقابل، ينقل المقال موقف البنتاغون الرسمي الذي ينفي بشكل قاطع وجود أي مسعى لتقليل حجم الخسائر أو التعتيم عليها، مؤكدا أن الوزارة، إلى جانب القيادة المركزية الأمريكية، تواظبان على تقديم تحديثات دورية بشأن مجريات العمليات العسكرية، وأن كلا من الرئيس ووزير الحرب يحرصان على مخاطبة المواطنين مباشرة عبر البيانات الرسمية والمنصات الرقمية المعتمدة.
الحقيقة تتأخر لكنها لا تغيب
ويختم المقال بالإشارة إلى أن تراجع وتيرة المؤتمرات الصحفية لا يعني بالضرورة توقف العمل الصحفي الميداني، إذ يواصل المراسلون المتخصصون في الشؤون العسكرية الاعتماد على شبكة مصادرهم الخاصة لاستقاء المعلومات ومتابعة المستجدات، ويستشهد التحقيق مجددا بقول ليون بانيتا الذي عبّر عن قناعته بأن محاولات تقييد تدفق المعلومات قد تُبطئ ظهور الحقيقة كاملة، لكنها لن تستطيع منعها في نهاية المطاف، ذلك أن الصحافة ستظل تبحث عن الوقائع مهما اشتدت القيود المفروضة عليها، مختتما بعبارته: "الحقيقة تظهر دائما في النهاية".

