"جيل زد" يهز معادلة مودي.. غضب الشباب يتحول إلى أخطر تحدٍ سياسي في الهند
ملخص :
يتعرض رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، لموجة غضب غير مسبوقة بين أبناء "جيل زد"، في تطور يراه الكاتب الصحفي والباحث الهندي، كونال بورهِت، أخطر تحدٍ سياسي يواجهه منذ توليه السلطة قبل أكثر من 12 عامًا، بعدما تحولت الأزمة الاقتصادية التي تثقل كاهل الشباب إلى محور رئيسي للنقاش العام، متجاوزة القضايا التقليدية التي هيمنت على المشهد السياسي خلال السنوات الماضية.
وفي مقال نشرته صحيفة "فايننشال تايمز"، يرى بورهِت أن الاحتجاجات الأخيرة لا تعكس مجرد اعتراض على حادثة بعينها، بل تكشف عن اتساع الفجوة بين الوعود الاقتصادية التي قدمتها الحكومة على مدار سنوات، وبين واقع يعيشه ملايين الشباب الذين يصطدمون ببطالة مرتفعة، وفرص عمل محدودة، وتراجع مستمر في مستويات المعيشة.
معادلة سياسية تواجه اختبارًا جديدًا
اعتمد مودي، منذ وصوله إلى الحكم عام 2014، على استراتيجية سياسية جمعت بين تعبئة القاعدة الشعبية عبر الخطاب القومي والديني، وبين التعهد بإحداث نهضة اقتصادية توفر فرص العمل وترفع مستويات الدخل وتحسن الظروف المعيشية.
ويرى الكاتب أن هذه المعادلة التي منحت حزب "بهاراتيا جاناتا" الحاكم حضورًا انتخابيًا قويًا لسنوات، باتت تواجه اختبارًا حقيقيًا مع بروز جيل جديد أقل اهتمامًا بالشعارات الأيديولوجية، وأكثر تركيزًا على النتائج الاقتصادية الملموسة، وعلى محاسبة الحكومة بشأن تنفيذ تعهداتها.
وبحسب المقال، فإن أبناء جيل زد، الذين يمثلون شريحة واسعة من المجتمع الهندي، ينظرون إلى الأداء الاقتصادي باعتباره المعيار الأساسي لتقييم الحكومة، وهو ما يضع السلطة أمام تحديات تختلف عن تلك التي واجهتها في السابق.
تسريب امتحان الطب يشعل الشارع
بدأت موجة الاحتجاجات إثر الكشف عن عملية تسريب واسعة لامتحان القبول في إحدى كليات الطب، وهو اختبار يخوضه ملايين الطلاب بعد سنوات طويلة من التحضير والدراسة، ويعد من أكثر الامتحانات تنافسية في البلاد.
وأدى اكتشاف التلاعب إلى إلغاء الامتحان وإعادة تنظيمه، الأمر الذي تسبب في إحباط واسع بين الطلاب وأسرهم، خصوصًا بعدما أظهرت التحقيقات وجود ارتباط بين المتورطين في التسريب ومسؤولين مقربين من الجهات المشرفة على الامتحانات.
كما ارتبطت القضية بحالات انتحار لعدد من الطلاب، ما زاد من حدة الغضب الشعبي، ووسع دائرة الانتقادات الموجهة للحكومة، التي اتهمها المحتجون بالفشل في حماية نزاهة أحد أهم الاختبارات الوطنية.
من أزمة تعليمية إلى أزمة سياسية
لم تبقَ الاحتجاجات محصورة في إطارها التعليمي، بل سرعان ما تحولت إلى أزمة سياسية، بعدما طالب المتظاهرون باستقالة وزير التعليم، معتبرين أن تكرار وقائع تسريب الامتحانات خلال فترة توليه المنصب يعكس إخفاقًا إداريًا يستوجب تحمل المسؤولية السياسية.
ويرى الكاتب أن هذه المطالب تمثل تحولًا في طبيعة الاحتجاجات، إذ لم يعد الشباب يكتفون بالمطالبة بإصلاحات إجرائية، وإنما أصبحوا يطالبون بمحاسبة المسؤولين وإرساء مبدأ المساءلة داخل مؤسسات الدولة.
"صراصير" تشعل منصات التواصل
وكانت تصريحات سابقة لرئيس المحكمة العليا زادت حدة الاحتقان، عندما وصف فيها بعض الشباب العاطلين عن العمل بأنهم "صراصير"، قبل أن يعود لاحقًا ويوضح أن حديثه كان يقتصر على حملة الشهادات المزورة.
ورغم هذا التوضيح، أثارت العبارة موجة واسعة من السخرية والانتقاد على منصات التواصل الاجتماعي، وتحولت إلى مادة للتعبير عن الغضب الشعبي تجاه ما اعتبره كثيرون استخفافًا بمعاناة الشباب.
واستغل المحتجون هذا الوصف بطريقة ساخرة، إذ أطلقوا وسم "حزب شعب الصراصير"، كما أنشأوا كيانًا رمزيًا يحمل الاسم نفسه في محاكاة ساخرة لحزب "بهاراتيا جاناتا" الحاكم.
وسرعان ما تحول هذا النشاط الرقمي إلى ظاهرة واسعة جذبت عشرات الملايين من المتابعين، في دلالة على قدرة الجيل الجديد على توظيف وسائل التواصل الاجتماعي لإيصال رسائله السياسية، مستخدمًا السخرية كأداة فعالة في مواجهة الخطاب الرسمي.
جيل جديد يطالب بالمحاسبة
بحسب الكاتب، فإن أحد أبرز أسباب اتساع دائرة الاحتجاجات يتمثل في شعور الشباب بأن مبدأ المحاسبة السياسية تراجع بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة.
ويشير إلى أن الحكومات المتعاقبة اعتادت تجاهل المطالب بإقالة المسؤولين عقب وقوع الأزمات، وهو نهج ربما تقبلته الأجيال الأكبر سنًا، لكنه لم يعد مقبولًا لدى الشباب الذين يواجهون تحديات اقتصادية متزايدة ويطالبون بمسؤولية سياسية واضحة تجاه الإخفاقات الحكومية.
البطالة.. الأزمة الأعمق
يفرد المقال مساحة واسعة لتحليل الواقع الاقتصادي الذي يعيشه الشباب الهندي، مؤكدًا أن معظم العاطلين عن العمل في البلاد ينتمون إلى الفئة العمرية دون الـ 30 عامًا، وتزداد المفارقة وضوحًا مع ارتفاع معدلات البطالة بين خريجي الجامعات مقارنة بغير المتعلمين، وهو ما يعكس، وفق الكاتب، اختلالًا هيكليًا في سوق العمل، حيث لم يعد الحصول على شهادة جامعية يضمن فرصة عمل مناسبة.
كما يشير إلى أن الأجور ظلت شبه راكدة، في حين لم تحقق برامج التدريب وتنمية المهارات التي أطلقتها الحكومة النتائج المعلنة، إذ إن نسبة محدودة فقط من المشاركين في تلك البرامج نجحت في الحصول على وظائف مستقرة.
تراجع قطاع التكنولوجيا يفاقم الأزمة
ويضيف المقال أن قطاع تكنولوجيا المعلومات، الذي شكل لعقود محركًا رئيسيًا لتوظيف الخريجين، يشهد تباطؤًا ملحوظًا، بعدما خفضت الشركات الكبرى خطط التوظيف وأوقفت التوسع في استقطاب الموظفين الجدد، وأدى هذا التراجع إلى تضييق فرص العمل أمام أعداد كبيرة من الخريجين، ودفع كثيرين منهم إلى قبول وظائف لا تتناسب مع مؤهلاتهم العلمية أو خبراتهم الأكاديمية.
وبات من المألوف، بحسب الكاتب، أن يعمل مهندسون في وظائف إشرافية بسيطة، بينما يلجأ حملة الدراسات العليا إلى أعمال إدارية منخفضة الأجر، أو إلى العمل ضمن اقتصاد المنصات الرقمية، الذي يعتمد على وظائف مؤقتة تفتقر إلى الاستقرار الوظيفي والضمانات الاجتماعية.
الغضب يتجاوز الاقتصاد إلى أزمة ثقة
ويخلص الكاتب إلى أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على قضية تسريب امتحان أو المطالبة بإقالة وزير، بل تعكس تحولًا أعمق في المزاج السياسي لدى الشباب الهندي، فجيل زد، بحسب المقال، أصبح أكثر استعدادًا لاستخدام الاحتجاجات الشعبية والمنصات الرقمية لمساءلة السلطة عن تعهداتها الاقتصادية، بعدما تراجعت ثقته في الخطاب الرسمي وقدرته على تقديم حلول حقيقية للأزمات المعيشية.
ويرى بورهِت أن السخرية التي يعتمدها هذا الجيل في مواجهة السلطة ليست مجرد وسيلة احتجاج، وإنما تعبير عن فقدان الثقة بالمؤسسات الرسمية، وأن تراكم الإحباط الناتج عن البطالة وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع فرص المستقبل قد يحول الشباب إلى قوة سياسية يصعب تجاهلها، وقد تعيد رسم ملامح المشهد السياسي الهندي خلال السنوات المقبلة.

