ترامب يجمّد خيار التصعيد ضد إيران وسط مخاوف من استنزاف الدفاعات الأمريكية
ملخص :
أرجأ الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، مؤقتاً، تنفيذ خطة عسكرية واسعة النطاق كانت تهدف إلى تصعيد الهجمات ضد إيران، في خطوة عكست تنامي المخاوف داخل الإدارة الأمريكية من التداعيات العسكرية والاستراتيجية لحرب مفتوحة في الشرق الأوسط.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة "نيويورك تايمز"، فإن أحد أبرز الأسباب التي دفعت ترامب إلى إعادة تقييم خيار التصعيد يتمثل في الخشية من أن يؤدي استئناف الهجمات المكثفة إلى رد إيراني قوي، واستنزافٍ كبير لمخزون صواريخ باتريوت وغيرها من الصواريخ الاعتراضية المتاحة للقوات الأمريكية في الشرق الأوسط.
مخاوف من استنزاف الترسانة الدفاعية الأمريكية
ولم يكن القلق بشأن تراجع مخزون الصواريخ الاعتراضية العامل الوحيد الذي أثّر في حسابات البيت الأبيض، إذ تواجه الإدارة الأمريكية سلسلة من المخاوف المتشابكة، من بينها احتمال توسع نطاق الحرب إقليمياً، وتعرض دول الخليج الحليفة لواشنطن لهجمات إيرانية، إضافة إلى انعكاسات اقتصادية عالمية قد تشمل ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب الأسواق وتفاقم أزمة اللاجئين في المنطقة.
وخلال الأسابيع الماضية، أصبح حجم المخزون الدفاعي الأمريكي محوراً رئيسياً للنقاشات المغلقة داخل واشنطن، بعدما اضطرت القوات الأمريكية إلى استخدام كميات كبيرة من الصواريخ الاعتراضية للتعامل مع موجات من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة الإيرانية التي استهدفت مواقع عسكرية في الأردن والكويت والبحرين والإمارات العربية المتحدة.
ووفقاً لمسؤول أمريكي رفيع المستوى، ظهرت خطورة هذا التحدي بوضوح عندما تمكن صاروخ باليستي إيراني من اختراق منظومة دفاع جوي خلال هجوم مركب بالصواريخ والطائرات المسيّرة، ما أدى إلى مقتل جنود أمريكيين في الأردن.
تحذيرات عسكرية من تكلفة المواجهة المفتوحة
وخلال مشاورات داخلية، حذّر رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية، الجنرال دان كين، من أن الجيش الأمريكي قادر على استئناف عمليات عسكرية واسعة ضد إيران، إلا أن هذه الخطوة قد تؤدي إلى استنزاف خطير في أعداد الصواريخ الاعتراضية المتاحة للقيادة المركزية الأمريكية "سنتكوم"، المسؤولة عن العمليات العسكرية في الشرق الأوسط.
ورفض المتحدث باسم الجنرال كين التعليق على مضمون التوصيات التي قدمها للرئيس، إلا أن تقديرات داخلية لوزارة الدفاع الأمريكية، نُشرت في أبريل/نيسان، أشارت إلى أن الولايات المتحدة استخدمت أكثر من 1200 صاروخ "باتريوت" خلال الحرب، بتكلفة تتجاوز أربعة ملايين دولار للصاروخ الواحد.
وكانت تلك التقديرات قد وصفت مستوى المخزون الدفاعي في ذلك الوقت بأنه "مثير للقلق"، فيما تشير مصادر عسكرية إلى أن الوضع أصبح أكثر صعوبة منذ ذلك الحين، مع استمرار العمليات العسكرية وارتفاع الطلب على أنظمة الدفاع الجوي.
البيت الأبيض يخشى حرب استنزاف طويلة
وترى دوائر داخل الإدارة الأمريكية أن تصعيد العمليات ضد إيران قد يدفع طهران إلى تنفيذ ردود أكثر قوة ضد القواعد الأمريكية وحلفاء واشنطن في المنطقة، الأمر الذي سيضاعف الضغط على منظومات الدفاع الجوي الأمريكية.
كما تخشى القيادة الأمريكية من أن يؤدي الاستهلاك المتزايد للصواريخ الاعتراضية في الشرق الأوسط إلى تقليص قدرة واشنطن على التعامل مع أزمات عسكرية محتملة في مناطق أخرى من العالم، في ظل استمرار التوترات الدولية على أكثر من جبهة.
وكان ترامب قد بدا، قبل أيام فقط، أكثر ميلاً نحو خيار التصعيد، إذ قال للصحفيين إن الولايات المتحدة "مستعدة تماماً"، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن المفاوضات لا تزال مطروحة، مضيفاً أن الطرفين قد يصلان إلى "نقطة تحول".
وفي مقابلة مع موقع "أكسيوس"، الخميس، أكد ترامب أنه يدرس تنفيذ "هجوم واسع النطاق أكبر من أي شيء قامت به الولايات المتحدة من قبل"، مشيراً إلى أنه كان قريباً من اتخاذ قرار نهائي بشأن هذه الخطوة.
البنتاغون حضّر لخطة ضربات واسعة
وفي الأيام الماضية، رفع البنتاغون مستوى الاستعداد لاحتمال تنفيذ عملية عسكرية موسعة، حيث نقل قوات إضافية وأسلحة وإمدادات إلى الشرق الأوسط، فيما قدّر مسؤولون عسكريون أن ترامب كان يميل إلى الموافقة على المرحلة الأولى من خطة قصف متعددة المراحل.
وكانت الخطة تتضمن استهداف مواقع عسكرية إيرانية حساسة، من بينها أنظمة الرادار المنتشرة على طول الساحل الإيراني، ومنصات إطلاق الصواريخ المضادة للسفن، والزوارق الهجومية الصغيرة، إضافة إلى مواقع أخرى تقول واشنطن إنها استخدمت في عمليات استهداف السفن التجارية العابرة لمضيق هرمز.
كما بحثت الإدارة الأمريكية إمكانية توسيع نطاق الضربات لتشمل منشآت الطاقة وبعض المواقع النووية الإيرانية، بما فيها منشأة يشار إليها باسم "جبل الفأس".
وفي سياق العمليات الجارية، أعلن الجيش الأمريكي عن استهداف وتدمير عدد متزايد من جسور السكك الحديدية داخل إيران، بحجة استخدامها لنقل المعدات والإمدادات العسكرية باتجاه المناطق الساحلية الجنوبية القريبة من مضيق هرمز، رغم أن تلك المنشآت تُستخدم أيضاً في النقل المدني.
تراجع نسبي في وتيرة القتال بعد أسابيع من المواجهة
وبحلول مساء الجمعة، بدا أن ترامب اقتنع، ولو بصورة مؤقتة، بتجميد خيار الحملة الكبرى، بعدما خلص مستشاروه العسكريون إلى أن الكلفة الدفاعية للتصعيد قد تكون مرتفعة للغاية مقارنة بالنتائج المتوقعة، وجاء هذا التطور بعد 13 ليلة متتالية من الهجمات الأمريكية على إيران، إذ لم يعلن الجيش الأمريكي عن تنفيذ ضربات جديدة في الليلة التالية، وهو ما اعتُبر أول تراجع واضح في مستوى المواجهة المباشرة بين الطرفين منذ نحو أسبوعين.
واشنطن تبحث عن مخرج سياسي للأزمة
وبحسب التقرير، يدرس ترامب حالياً كيفية إدارة المرحلة المقبلة من الحرب المستمرة منذ نحو خمسة أشهر، خصوصاً ملف إعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة التجارة الدولية، بعدما أدى التصعيد الأخير إلى ارتفاع أسعار الوقود مجدداً وتعثر المسار الدبلوماسي.
ورغم الضربات الأمريكية المكثفة، لم تظهر مؤشرات واضحة على نجاح الحملة العسكرية في دفع إيران إلى تغيير سلوكها أو العودة إلى طاولة المفاوضات بشروط واشنطن، بل إن مسؤولاً أمريكياً رفيع المستوى أعرب عن شكوكه في أن يؤدي استئناف العمليات الكبرى إلى تحقيق الهدف السياسي المطلوب، محذراً من أن الهجمات قد تأتي بنتائج عكسية، عبر توحيد مؤسسات الدولة الإيرانية والتيارات السياسية المختلفة حول مواجهة "تهديد خارجي"، بما يسمح للقيادة الإيرانية بتحويل الانتباه عن أزماتها الداخلية.
خلاف داخل إدارة ترامب بشأن المسار المقبل
وقال المتحدث باسم البيت الأبيض، ستيفن تشونغ، إن ترامب "لطالما أكد تفضيله للحل الدبلوماسي"، لكنه شدد على أن الرئيس الأمريكي "يحتفظ بكل الخيارات" في حال استمرار إيران في تهديد الملاحة في مضيق هرمز أو استهداف حلفاء الولايات المتحدة، مضيفا أن العقوبات الاقتصادية والهجمات المتكررة تمثل رسالة واضحة لطهران، معتبراً أن الخيار الأكثر حكمة بالنسبة لإيران هو التوصل إلى اتفاق تفاوضي، وإلا فإنها "تدرك ما سيحدث".
في المقابل، يرى عدد من مستشاري ترامب، بينهم صهره جاريد كوشنر، أن الخيار الأقل مخاطرة يتمثل في تجنب حملة جوية واسعة، والعودة إلى مسار المفاوضات، مع استمرار استخدام الضغوط الاقتصادية والسياسية على إيران، لكن يبقى الغموض قائماً بشأن وجود قنوات اتصال فعلية بين واشنطن وطهران، ومدى قدرة القيادة الإيرانية على تجاوز الخلافات الداخلية المتعلقة بإمكانية التوصل إلى اتفاق جديد مع الولايات المتحدة.

