تحول تاريخي في المزاج الأمريكي الشعبي تجاه التدخلات العسكرية
ملخص :
تمر الولايات المتحدة بتحول لافت في موقف الرأي العام تجاه الحرب الجارية على إيران، بعدما أظهرت استطلاعات الرأي تراجعاً حاداً في مستوى الدعم الشعبي للعملية العسكرية، مقارنة بمواقف الأمريكيين من أبرز الحروب والتدخلات الخارجية التي خاضتها واشنطن خلال العقود الثلاثة الماضية.
وتشير المعطيات الجديدة إلى أن الحرب على إيران باتت تواجه أزمة شرعية داخلية متزايدة، مع تراجع قدرة الإدارة الأمريكية على حشد التأييد الشعبي الذي رافق العديد من العمليات العسكرية السابقة، خصوصاً تلك التي جاءت عقب أحداث كبرى أو تحت شعارات الأمن القومي.
66% من الأمريكيين يعارضون الحرب على إيران
وأظهر أحدث استطلاع للرأي أجرته شبكة "فوكس نيوز" ومؤشرات "ريل كلير بولينغ" اتساع الفجوة بين المؤيدين والمعارضين للحرب، حيث بلغت نسبة الأمريكيين الرافضين للعمليات العسكرية الجارية ضد إيران نحو 66%، مقابل 34% فقط يؤيدون استمرارها.
وتجعل هذه النسب الحرب الحالية واحدة من أقل التدخلات العسكرية الأمريكية تأييداً شعبياً في التاريخ الحديث، في مؤشر على تغير واضح في نظرة الأمريكيين إلى الحروب الخارجية، خاصة عندما ترتبط بتكاليف مالية مرتفعة وخسائر بشرية مباشرة.
ويأتي هذا التحول في سياق مختلف عن المراحل الأولى للعديد من الحروب السابقة، إذ غالباً ما شهدت الإدارات الأمريكية ارتفاعاً كبيراً في الدعم الشعبي عند بدء العمليات العسكرية، قبل أن يتراجع التأييد مع طول أمد المواجهات وتزايد الخسائر.
مقارنة تاريخية تكشف حجم التراجع في الدعم
وتوضح البيانات التاريخية الصادرة عن مؤسسة "غالوب" حجم الفارق بين موقف الأمريكيين من الحرب على إيران ومواقفهم السابقة تجاه تدخلات عسكرية كبرى:
- الحرب في أفغانستان عام 2001: حظيت بدعم شعبي واسع بلغ 90% مقابل معارضة لم تتجاوز 5%، وذلك بعد الهجمات التي استهدفت الولايات المتحدة في 11 سبتمبر/أيلول.
- حرب الخليج الثانية عام 1991: حصلت عملية "عاصفة الصحراء" على تأييد 79% من الأمريكيين، مقابل معارضة بلغت 16%.
- غزو العراق عام 2003: بدأ بدعم شعبي وصل إلى 76%، في حين عارضه 20% من الأمريكيين.
- التدخل العسكري في ليبيا عام 2011: سجل مستوى تأييد أقل، إذ بلغ 47% مقابل 37% معارضين.
وتعكس هذه المقارنة أن الحرب الحالية في إيران انطلقت في بيئة شعبية أكثر تشككاً، حيث لم تتمكن الإدارة الأمريكية من بناء حالة إجماع داخلي مشابهة لما حدث في تدخلات عسكرية سابقة.
خسائر عسكرية تضغط على إدارة ترامب
إلى جانب تراجع التأييد الشعبي، أسهمت الخسائر العسكرية في زيادة التساؤلات داخل الولايات المتحدة حول جدوى استمرار الحرب، ووفقاً للمعلومات، فقد بلغت الخسائر البشرية في صفوف القوات الأمريكية منذ بدء العمليات نحو 18 قتيلاً، إضافة إلى إصابة قرابة 500 جندي.
كما تعرض سلاح الجو الأمريكي لخسائر وأضرار طالت عدداً من المنظومات العسكرية، بينها مقاتلات من طراز F-15E، وطائرة رصد من طراز A-10، ومروحية أباتشي فوق مضيق هرمز، فضلاً عن أضرار لحقت بطائرات تزويد بالوقود من طراز KC-135 في الأجواء العراقية.
وتشكل هذه الخسائر عاملاً مؤثراً في تغيير موقف الرأي العام الأمريكي، خصوصاً مع تزايد حساسية المجتمع الأمريكي تجاه سقوط الجنود في حروب خارجية طويلة أو غير واضحة الأهداف.
فاتورة الحرب تتصاعد وتهدد الاقتصاد الأمريكي
لم تقتصر تداعيات الحرب على الجانب العسكري، إذ بدأت انعكاساتها الاقتصادية تظهر بصورة مباشرة على الداخل الأمريكي، في وقت تواجه فيه الإدارة ضغوطاً بشأن تكلفة العمليات العسكرية.
وبلغت الكلفة المباشرة الأولية للحرب نحو 37 مليار دولار، فيما أشارت وزارة الدفاع الأمريكية إلى أن الرقم وصل إلى 37.5 مليار دولار، بينما طلب البيت الأبيض من الكونغرس مخصصات إضافية قد تصل إلى 67 مليار دولار لتمويل العمليات.
وتزامن ذلك مع اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز، ما أدى إلى تعثر إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال والأسمدة الزراعية إلى الأسواق العالمية والأمريكية، ودفع أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة إلى تجاوز 4.11 دولارات للغالون الواحد.
ويكتسب هذا التطور حساسية سياسية خاصة بالنسبة للرئيس دونالد ترامب، الذي خاض حملته الانتخابية على وعود بخفض أسعار الطاقة، والسيطرة على التضخم، وإنهاء الحروب الطويلة التي اعتبر أنها تستنزف الموارد الأمريكية.
الطاقة والتضخم يعيدان تشكيل موقف الناخب الأمريكي
وانعكست الزيادة في تكاليف الطاقة على قطاعات اقتصادية واسعة، حيث ارتفعت تكاليف تشغيل المصانع والنقل الداخلي، ما ساهم في تصاعد الضغوط التضخمية على أسعار السلع الأساسية والمواد الغذائية والمنتجات الاستهلاكية.
ويرى مراقبون أن العامل الاقتصادي أصبح أكثر تأثيراً في تشكيل موقف الأمريكيين من الحروب الخارجية، إذ لم تعد المبررات الأمنية وحدها كافية لإقناع قطاعات واسعة من الناخبين بتحمل تبعات التدخلات العسكرية، خصوصاً عندما يشعر المواطن بأن تكلفة الحرب تنعكس مباشرة على مستوى معيشته.
انتقادات لإدارة ترامب بسبب ضعف الحشد السياسي
ويعود فقدان إدارة ترامب جزءاً كبيراً من الدعم الشعبي للحرب إلى مجموعة من العوامل، في مقدمتها التناقض بين الخطاب الانتخابي للرئيس والسياسات التي اتبعتها إدارته بعد وصولها إلى السلطة، حيث بنى ترامب حملته الانتخابية على تعهدات بإنهاء الحروب الطويلة الأمد، وتقليل الأعباء الاقتصادية على الأمريكيين، إلا أن الحرب الحالية جاءت لتفرض واقعاً معاكساً يتمثل في زيادة الإنفاق العسكري وارتفاع المخاطر الاقتصادية.
كما أن الإدارة الأمريكية لم تنفذ حملة سياسية كافية لشرح أهداف الحرب للرأي العام، ولم تستثمر الوقت المطلوب في التواصل مع الكونغرس أو بناء تحالفات دولية واسعة، على غرار ما حدث في مراحل سابقة من التدخلات العسكرية الأمريكية.
الأمن القومي لم يعد كافياً لإقناع الأمريكيين
وقد لعب تغير أولويات الناخب الأمريكي دوراً مركزياً في تراجع التأييد للحرب، إذ أن القضايا المعيشية والمالية أصبحت تتصدر اهتمامات المواطنين، ولم الشعارات المرتبطة بالأمن القومي وحدها قادرة على دفع الأمريكيين إلى قبول تكاليف الحروب الخارجية.
لذا تواجه إدارة ترامب معادلة سياسية معقدة؛ فهي مطالبة بإدارة مواجهة عسكرية خارجية متصاعدة، في وقت يتزايد فيه الضغط الداخلي لإنهاء الحرب وتجنب مزيد من الخسائر البشرية والاقتصادية.

