جدل دستوري يتجدد مع حرب إيران.. هل انتقلت سلطة إعلان الحرب من الكونغرس إلى الرئيس؟
ملخص :
أعادت الحرب الأمريكية المستمرة على إيران فتح نقاش دستوري واسع داخل الولايات المتحدة بشأن الجهة التي تمتلك فعلياً قرار الحرب والسلم، في ظل استمرار العمليات العسكرية للشهر الخامس دون تفويض رسمي من الكونغرس، رغم أن الدستور الأمريكي يمنحه وحده صلاحية إعلان الحرب، ويرى مراقبون أن هذا الواقع يعكس تحولات عميقة في بنية النظام السياسي الأمريكي، حيث باتت السلطة التنفيذية تفرض حضورها بصورة غير مسبوقة على حساب الدور الدستوري للسلطة التشريعية.
وفي هذا السياق، يرى الكاتب، جيسون ويليك، في مقال نشرته صحيفة "واشنطن بوست"، أن الحرب الحالية على إيران لا تمثل مجرد مواجهة عسكرية، بل تكشف عن تحول دستوري متراكم جعل قرار استخدام القوة العسكرية في يد الرئيس الأمريكي، بينما تراجع دور الكونغرس إلى مستوى أقرب إلى الرقابة المحدودة، رغم النصوص الدستورية التي تمنحه الاختصاص الحصري بإعلان الحرب.
الحرب دون تفويض تشريعي
ويشير ويليك في مقاله إلى أن الدستور الأمريكي ينص بوضوح على أن سلطة إعلان الحرب تعود إلى الكونغرس، غير أن الحرب على إيران دخلت شهرها الخامس دون الحصول على أي تفويض تشريعي جديد، بل جاءت في وقت صوّت فيه مجلسا النواب والشيوخ، خلال الشهر الماضي، بأغلبية من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، لصالح إنهاء العمليات العسكرية.
ورغم هذا الموقف البرلماني، استمرت الإدارة الأمريكية في عملياتها العسكرية، وهو ما يعتبره الكاتب دليلاً واضحاً على أن القرار التنفيذي بات يتقدم عملياً على الإرادة التشريعية، في تطور يعكس إعادة رسم للتوازن بين مؤسسات الحكم الأمريكية.
توسع مفهوم "الدفاع عن النفس"
ويستعرض الكاتب المسار التاريخي الذي أدى إلى هذا التحول، موضحاً أن بداياته تعود إلى السنوات الأولى للجمهورية الأمريكية، عندما بدأ الرؤساء في توسيع تفسير مفهوم "الدفاع عن النفس" لتبرير استخدام القوة العسكرية خارج الأراضي الأمريكية.
ففي التصور الذي وضعه الآباء المؤسسون، كان دور الرئيس يقتصر على التصدي للهجمات المفاجئة وحماية البلاد من الأخطار المباشرة، بينما يبقى قرار خوض الحروب الاختيارية من اختصاص ممثلي الشعب في الكونغرس، إلا أن هذا الفصل الواضح بين الحرب الدفاعية والهجومية أخذ يتراجع تدريجياً، مع توسع تفسير التهديدات الأمنية، الأمر الذي جعل العمليات العسكرية الخارجية تُقدَّم باعتبارها إجراءات وقائية أو دفاعية، حتى في غياب هجوم مباشر على الولايات المتحدة.
الضربات الوقائية وتآكل الحدود الدستورية
ويستند ويليك إلى آراء المؤرخ الأمريكي، آرثر شليزنغر الابن، الذي رأى أن الفارق بين الحروب الدفاعية والهجومية أصبح أقل وضوحاً مع مرور الزمن، وهو ما سمح بتوسيع صلاحيات الرئيس في استخدام القوة العسكرية، كما يشير إلى تصريحات سابقة لوزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، كوندوليزا رايس، التي دافعت عن توجيه ضربات لإيران قبل تحولها إلى تهديد وشيك، باعتبار أن انتظار الخطر حتى يصبح مباشراً قد يحمل مخاطر أكبر.
لكن الكاتب يؤكد أن الدستور الأمريكي لا يحظر مبدأ الحروب الوقائية بحد ذاته، وإنما يشترط أن يصدر قرار اللجوء إليها عن الكونغرس باعتباره المؤسسة التي تمثل الإرادة الشعبية، وليس عن السلطة التنفيذية وحدها.
الحرب الباردة عززت صلاحيات الرئيس
ويرى ويليك أن المرحلة الثانية من انتقال سلطات الحرب بدأت عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، عندما تحولت الولايات المتحدة إلى قوة عظمى ذات انتشار عسكري واسع في مختلف أنحاء العالم، قائلا إن ظروف الحرب الباردة، والوجود العسكري الأمريكي الممتد عبر القارات، إلى جانب تطور الأسلحة النووية والصواريخ العابرة للقارات، خلقت حاجة متزايدة إلى اتخاذ قرارات سريعة وسرية، وهو ما عزز بصورة تدريجية تركيز صلاحيات الأمن القومي والعمليات العسكرية في يد الرئيس.
ويعتبر الكاتب أن الحرب الكورية شكلت محطة مفصلية في هذا المسار، بعدما خاضتها الولايات المتحدة دون إعلان حرب رسمي من الكونغرس، الأمر الذي رسخ عملياً أولوية السلطة التنفيذية في إدارة النزاعات المسلحة.
قانون سلطات الحرب.. محاولة لم تستعد التوازن
بعد حرب فيتنام، حاول الكونغرس استعادة جزء من صلاحياته الدستورية عبر إقرار "قانون سلطات الحرب" عام 1973، الذي يمنحه أدوات لإلزام الرئيس بإنهاء العمليات العسكرية في ظروف محددة، غير أن الكاتب يرى أن فعالية هذا القانون بقيت محدودة، إذ تمكن الرؤساء المتعاقبون من الالتفاف عليه أو تجاهله، فضلاً عن إمكانية استخدام حق النقض الرئاسي لتعطيل بعض محاولات الكونغرس لتقييد استخدام القوة العسكرية.
ويشير إلى أن أحدث مثال على ذلك تمثل في تصويت الكونغرس لإنهاء الحرب على إيران، وهو القرار الذي لم يمنع الرئيس دونالد ترامب من استئناف العمليات العسكرية عقب انهيار مذكرة التفاهم مع طهران.
ما بعد العراق.. الكونغرس يتجنب تحمل المسؤولية
ويعتبر ويليك أن حرب العراق مثلت بداية مرحلة جديدة في العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، إذ أصبحت الموافقة البرلمانية على الحروب تمثل عبئاً سياسياً كبيراً على أعضاء الكونغرس، ما دفع كثيرين منهم إلى تجنب التصويت على قرارات استخدام القوة العسكرية.
وبحسب الكاتب، لم يصدر الكونغرس منذ عام 2002 أي تفويض جديد يجيز شن حروب جديدة، رغم استمرار الولايات المتحدة في تنفيذ عمليات عسكرية متعددة، خاصة في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما عزز اعتماد الإدارات الأمريكية المتعاقبة على الصلاحيات التنفيذية بدلاً من المسار التشريعي التقليدي.
السياسة الخارجية بين الاتفاقات التنفيذية والمعاهدات
ويخلص الكاتب إلى أن السياسة الخارجية الأمريكية أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على القرارات الرئاسية والاتفاقات التنفيذية، بدلاً من المعاهدات الرسمية التي تتطلب موافقة مجلس الشيوخ، وهو تحول يعكس اتساع نفوذ البيت الأبيض في إدارة الملفات الخارجية والعسكرية.
ورغم استمرار وجود أدوات رقابية يمتلكها الكونغرس، مثل سلطة إقرار التمويل العسكري، إضافة إلى تأثير الرأي العام وتقلبات الأسواق المالية على قرارات الإدارة الأمريكية، فإن ويليك يرى أن هذه الوسائل لم تعد كافية لإعادة التوازن الدستوري أو لاستعادة الكونغرس لدوره التقليدي في تقرير قضايا الحرب والسلم.
ويوضح الكاتب إلى أن الحرب الأمريكية على إيران لم تكشف فقط عن طبيعة المواجهة العسكرية الدائرة، بل سلطت الضوء أيضاً على تغيرات مؤسسية عميقة داخل النظام السياسي الأمريكي، حيث أصبح قرار اللجوء إلى القوة العسكرية أقرب إلى صلاحيات الرئيس، بينما تراجع الدور العملي للكونغرس، رغم استمرار النصوص الدستورية التي تمنحه سلطة إعلان الحرب.

