لغز مجتبى خامنئي.. الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية تكثف مطاردة المرشد الإيراني الجديد
ملخص :
قالت صحيفة "التايمز" البريطانية إن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية والأمريكية صعّدت عملياتها الرامية إلى تعقب المرشد الأعلى الإيراني الجديد، مجتبى خامنئي، الذي تولى المنصب عقب مقتل والده علي خامنئي في غارة جوية إسرائيلية بتاريخ 28 فبراير/شباط الماضي، في وقت لا تزال فيه الشكوك تحيط بمكان وجوده ووضعه الصحي، وسط تضارب في التقديرات الاستخباراتية بشأن مصيره.
وبحسب تقرير أعده مراسل الصحيفة، مايكل إيفانز، فإن مجتبى خامنئي اختفى تماما عن الأنظار منذ أشهر، ولم يسجل له أي ظهور علني، كما امتنع عن استخدام الهواتف المحمولة أو أجهزة الحاسوب، وهو ما حدّ بصورة كبيرة من فعالية وسائل الاستخبارات التقنية التي تعتمد على اعتراض الاتصالات وتتبع الإشارات الإلكترونية.
الملاجئ المحصنة وشبكات الاتصال التقليدية
ورجحت الصحيفة، استنادا إلى تقديرات خبراء استخبارات، أن يكون المرشد الإيراني الجديد مختبئا داخل شبكة الملاجئ والأنفاق المحصنة الممتدة أسفل العاصمة طهران، أو في منشآت شديدة التحصين بالقرب من مدينة قم، مع التزامه الكامل بإجراءات أمنية صارمة تمنع استخدام أي أجهزة اتصال إلكترونية يمكن أن تتيح للأقمار الصناعية أو أنظمة الرصد الأمريكية والإسرائيلية تحديد موقعه، ويرى التقرير أن هذا النهج الأمني يعكس إدراكا إيرانيا متزايدا لقدرات المراقبة الغربية، الأمر الذي دفع القيادة الإيرانية إلى العودة إلى وسائل الاتصال التقليدية لتقليص فرص الاختراق الإلكتروني.
تجربة تعقب علي خامنئي.. التكنولوجيا كانت السلاح الأبرز
وأشار التقرير إلى أن عملية تعقب المرشد الإيراني الراحل، علي خامنئي، اعتمدت بدرجة كبيرة على أدوات الاستخبارات التقنية، إذ جرى -بحسب الرواية التي تنقلها الصحيفة- اختراق كاميرات المراقبة المرورية في طهران، وتحليل تحركات المركبات الأمنية وسيارات الحراسة، ضمن تنسيق استخباراتي بين وكالة الأمن القومي الأمريكية، ووحدة "8200" التابعة للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية.
ووفقا للتقرير، أسهم هذا التعاون في تحديد مواقع عدد من كبار المسؤولين العسكريين والأمنيين الإيرانيين قبل تنفيذ عمليات استهدافهم، ما منح الاستخبارات الغربية والإسرائيلية أفضلية ميدانية خلال مراحل التصعيد العسكري.
الاستخبارات البشرية تتصدر المشهد
إلا أن المشهد اختلف بصورة ملحوظة مع مجتبى خامنئي، إذ ترى الصحيفة أن الأدوات الإلكترونية لم تعد كافية، بينما أصبحت الاستخبارات البشرية الوسيلة الأكثر أهمية في محاولة الوصول إليه، وفي هذا السياق، يركز جهاز الموساد الإسرائيلي، الذي يقول التقرير إنه يمتلك شبكة واسعة من العملاء داخل إيران، على مرحلتين أساسيتين: الأولى التأكد من أن المرشد الجديد لا يزال على قيد الحياة، والثانية تحديد مكان وجوده بدقة.
ويشير التقرير إلى أن بعض الدوائر الاستخباراتية لا تستبعد فرضية أن يكون مجتبى خامنئي قد قتل بالفعل، وأن الحرس الثوري الإيراني يتعمد إخفاء هذه الحقيقة للحفاظ على تماسك المؤسسة السياسية والأمنية في البلاد.
مسؤول سابق في الموساد: التكنولوجيا وحدها لا تكفي
ونقل مراسل الصحيفة عن رامي إيغرا، الرئيس السابق لأحد أقسام جهاز الموساد، قوله إن التجربة الإسرائيلية في البحث عن الأسرى داخل قطاع غزة أثبتت أن الاعتماد على الوسائل التقنية وحدها لا يحقق النتائج المطلوبة، وأن الوصول إلى أهداف شديدة التحصين يتطلب اختراق الدائرة البشرية المحيطة بالشخص المستهدف، موضحا أن نجاح أي عملية من هذا النوع يعتمد على تجنيد مصادر قريبة من الهدف، أو اختراق شبكات الاتصال البشرية التي يعتمد عليها، وهو ما يمثل التحدي الأكبر أمام أجهزة الاستخبارات في الحالة الإيرانية.
رسائل ورقية وسعاة بريد لتجنب الرصد
ويرجح التقرير أنه في حال كان مجتبى خامنئي لا يزال على قيد الحياة، فإنه يعتمد على شبكة من الوسطاء أو سعاة البريد لنقل الرسائل الورقية، بحيث يكون كل شخص على اطلاع بجزء محدود فقط من سلسلة الاتصال، بما يمنع كشف المسار الكامل للمعلومات أو الوصول إلى موقعه الحقيقي.
ولفت التقرير إلى أن هذا الأسلوب يشبه الطريقة التي استخدمتها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في تعقب زعيم تنظيم القاعدة السابق، أسامة بن لادن، عندما تمكنت من الوصول إليه عبر تتبع أحد رسله، بعد سنوات من الفشل في رصده باستخدام الوسائل الإلكترونية وحدها.
صعوبة اختراق الدائرة المقربة
ورأى التقرير أن فرص تجنيد مصدر قريب من المرشد الإيراني الجديد تبدو محدودة للغاية، في ظل إجراءات التدقيق الأمني المشددة التي يفرضها الحرس الثوري الإيراني على الأشخاص المحيطين به، وبحسب التقديرات التي أوردتها الصحيفة، فإن عددا محدودا للغاية من كبار قادة الحرس الثوري هم فقط من يعرفون الموقع الحقيقي لمجتبى خامنئي، الأمر الذي يزيد من تعقيد أي محاولة للوصول إليه.
استخدام أشخاص مشابهين لخداع الاستخبارات
كما تناول التقرير احتمال لجوء القيادة الإيرانية إلى استخدام أشخاص يشبهون مجتبى خامنئي بهدف تضليل أجهزة الاستخبارات، وهو تكتيك سبق أن استخدمه الرئيس العراقي الراحل، صدام حسين، عبر الاستعانة ببدلاء يظهرون في بعض المناسبات لإرباك عمليات الرصد والاستهداف، وترى الصحيفة أن اعتماد مثل هذا الأسلوب من شأنه زيادة الضبابية المحيطة بمكان وجود المرشد الإيراني الجديد، وتعقيد مهمة الأجهزة الاستخباراتية في التحقق من تحركاته الفعلية.
تشكيك في الرواية الرسمية الإيرانية
ورغم إعلان الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، أنه أمضى ساعات مع المرشد الجديد، مؤكدا أنه يتمتع بصحة جيدة، فإن الصحيفة نقلت عن مسؤولين سابقين في الموساد تشكيكهم في صحة هذه الرواية، معتبرين أنها لا تشكل دليلا كافيا على حياته أو على مكان وجوده.
ويعكس هذا التباين استمرار الفجوة بين الرواية الرسمية الإيرانية والتقديرات التي تتداولها بعض الأوساط الاستخباراتية الغربية والإسرائيلية، والتي لا تزال تعتبر ملف مجتبى خامنئي مفتوحا على جميع الاحتمالات.
القرار السياسي يبقى الفيصل
واختتمت صحيفة "التايمز" تقريرها بالتأكيد على أن نجاح أجهزة الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية في تحديد مكان مجتبى خامنئي، إن تحقق، لن يكون نهاية المهمة، إذ إن القرار النهائي بشأن استهدافه أو الاكتفاء بمراقبته سيظل رهنا بالقيادة السياسية في كل من واشنطن وتل أبيب.
وأضافت أن أي قرار من هذا النوع لن يقتصر تأثيره على الداخل الإيراني، بل قد ينعكس على مجمل التوازنات الإقليمية، في ظل المخاوف من أن يؤدي استهداف المرشد الإيراني الجديد إلى تصعيد واسع يغير مسار الصراع في المنطقة ويترك تداعيات بعيدة المدى على أمن الشرق الأوسط واستقراره.

