مضيق هرمز: الاتفاق يقترب.. لكن إيران تقول إن فتحه لن يكون مجانيًا
طهران تربط إعادة الملاحة بشروط أوسع مع واشنطن، بينما يكشف استهداف سفينة إماراتية أن المشكلة لم تعد مجرد تحديد مسار للسفن.
ملخص :
تقترب إيران وعُمان من اتفاق جديد لتنظيم الملاحة عبر مضيق هرمز، لكن التصريحات الإيرانية اليوم قلبت المعادلة: الاتفاق مع مسقط، حتى لو أُنجز، لن يعني تلقائيًا إعادة فتح المضيق بصورة طبيعية.
الحرس الثوري الإيراني قال إن عودة الملاحة مرتبطة بشروط أوسع مع الولايات المتحدة، وليس فقط بالتفاهم مع عُمان. وفي اليوم نفسه، اتهمت الإمارات إيران باستهداف سفينة مرتبطة بشركة «أدنوك» بصاروخ أثناء عبورها المضيق. (Reuters)
وهنا تصبح القصة أكبر من «هل سيفتح هرمز؟».
السؤال الحقيقي: هل تحاول إيران تحويل سيطرتها التي فرضتها خلال الحرب إلى نفوذ دائم على أهم بوابة نفطية في العالم؟
الخلاصة
- إيران وعُمان تقولان إنهما اقتربتا من تفاهم بشأن مسار ملاحي عبر مضيق هرمز. وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قال إن الجانبين باتا "قريبين جدًا" من اتفاق على مسار ملاحي جديد. (Reuters)
- واشنطن قالت إنها تتوقع اتفاقًا قريبًا يمكن أن يسمح بعودة حركة النفط بصورة أوسع. (Reuters)
- إيران أوضحت اليوم أن اتفاقها مع عُمان ليس كافيًا وحده لإعادة فتح المضيق. (Reuters)
- من بين المطالب الإيرانية المطروحة: تخفيف الضغوط والعقوبات الأميركية وتسوية ملفات مرتبطة بالحرب، وفق رويترز. مسؤول أميركي قال إنه بمجرد الإعلان عن اتفاق يعيد الشحن التجاري دون عوائق، سترفع واشنطن الحصار عن الموانئ الإيرانية. (Reuters)
- وفي الوقت نفسه تستمر المخاطر الأمنية؛ الإمارات اتهمت إيران اليوم بضرب سفينة مرتبطة بـ«أدنوك» في المضيق. (Reuters)
بمعنى أبسط:
المفاوضات تتقدم، لكن المضيق نفسه أصبح ورقة تفاوض إيرانية.
لماذا كل هذا الصراع على ممر بحري صغير؟
لأن هرمز ليس ممرًا عاديًا.
المضيق يقع بين إيران وعُمان ويربط الخليج ببحر عُمان والمحيط الهندي. قبل الاضطرابات الأخيرة كان يمر عبره ما يعادل نحو 20% من استهلاك العالم من السوائل البترولية، بحسب إدارة معلومات الطاقة الأميركية. كما أن خطوط الأنابيب البديلة في السعودية والإمارات وإيران تستطيع تعويض جزء فقط من هذه الكميات إذا تعطلت الملاحة فيه. (U.S. Energy Information Administration)
لذلك، أي اتفاق حول هرمز لا يخص إيران وعُمان وحدهما.
إنه يمس مباشرة السعودية والإمارات والكويت والعراق وقطر، ثم يمتد إلى أسعار النفط والشحن والتأمين والتضخم حول العالم.
ما الاتفاق الذي يجري التفاوض عليه؟
التفاهم الذي ظهر خلال الأيام الماضية يتركز على كيفية مرور السفن داخل المضيق.
إيران وعُمان أعلنتا سابقًا التوصل إلى تفاهم بشأن الإحداثيات الجغرافية لمسار ملاحي، فيما قالت مصادر لرويترز إن أحد التصورات المطروحة يمنح إيران دورًا في إدارة أو مراقبة السفن الداخلة إلى الخليج عبر الجانب الإيراني من المضيق. (Reuters)
وهذه ليست نقطة تقنية صغيرة.
لأن السؤال يصبح:
هل نعود إلى حرية الملاحة كما كانت قبل الحرب؟
أم تظهر بعد الحرب قواعد جديدة تمنح طهران نفوذًا أكبر على السفن التي تدخل الخليج؟
حتى الآن، لا يوجد اتفاق نهائي منشور يسمح بحسم ذلك.
ماذا قالت إيران اليوم؟
هنا جاء التطور الأهم.
بعد أن تحدث مسؤول أميركي عن قرب التوصل لاتفاق قد يؤدي إلى عودة حركة الملاحة، قال المتحدث باسم الحرس الثوري الإيراني حسين محبي، بحسب وكالة تسنيم الإيرانية، إن إعادة فتح المضيق لا تعتمد على المفاوضات مع عُمان وحدها، وإنما على استجابة الولايات المتحدة للشروط الإيرانية:
"متى ما قبلت الولايات المتحدة بشروط إيران، سيُعاد فتح مضيق هرمز بالتأكيد."
رويترز ذكرت أن المطالب الإيرانية المطروحة تشمل قضايا تتجاوز حركة السفن نفسها، من بينها العقوبات والحصار الأميركي والتعويضات وقضايا مرتبطة بالتسوية الأوسع للحرب. (Reuters)
وهذا يعني أن طهران تتعامل مع هرمز باعتباره جزءًا من صفقة سياسية وأمنية أكبر.
وهناك سبب إضافي للحذر هنا: رويترز نفسها أشارت إلى أن إدارة ترامب كررت خلال الأسابيع الماضية الإشارة إلى قرب التوصل لاتفاق حول المضيق، لينفي الجانب الإيراني في أكثر من مناسبة أن مفاوضات كانت جارية أصلًا. بمعنى آخر، هذه ليست المرة الأولى التي يبدو فيها الاتفاق وشيكًا دون أن يتحقق فعليًا.
المشكلة: حتى لو اتفق السياسيون.. هل ستعود السفن؟
ليس بالضرورة.
مصادر في قطاع الشحن قالت لرويترز إن بعض التصورات المقترحة تواجه عقبات عملية، بينها العقوبات الأميركية وآليات الدفع والتأمين والشروط التي تسمح لشركات الملاحة أصلًا بالمخاطرة بإرسال سفنها عبر المضيق. (Reuters)
والأرقام توضح حجم الفجوة.
بيانات تتبع السفن التي نقلتها رويترز أظهرت أن حركة المرور خلال أيام هذا الأسبوع بقيت أقل بكثير من مستويات ما قبل الحرب؛ ففي إحدى الفترات لم يُسجل سوى ثمانية عبورات في يوم كامل مقارنة بنحو 130 إلى 140 عبورًا يوميًا سابقًا. (Reuters)
لذلك، إعلان سياسي عن فتح المضيق شيء.
وعودة مئات السفن وشركات التأمين والناقلات إليه شيء آخر.
ثم جاءت الضربة على السفينة الإماراتية
وسط هذه المفاوضات، قالت الإمارات اليوم إن سفينة مرتبطة بشركة «أدنوك» تعرضت لهجوم صاروخي إيراني أثناء عبورها مضيق هرمز.
لم تُسجل إصابات في الحادث الذي أُعلن اليوم، لكن «أدنوك» قالت إن سفنها تعرضت لعدة هجمات منذ بدء الصراع، ما أدى سابقًا إلى مقتل أحد أفراد الطواقم وإصابة آخرين. (Reuters)
هذه الحادثة تكشف التناقض الذي يحيط بالمفاوضات:
الدبلوماسيون يناقشون كيفية إعادة الملاحة، بينما السفن التي يفترض أن تعود ما تزال تواجه خطر الاستهداف.
وهذا تحديدًا ما يجعل أي اتفاق هشًا إذا لم يتضمن ترتيبات أمنية يمكن لشركات الشحن الوثوق بها.
لماذا قد تكون إيران في موقف تفاوضي أقوى مما تبدو عليه؟
لأن إغلاق هرمز أو تعطيله يفرض تكلفة على الجميع.
لكن إيران نفسها تدفع ثمنًا اقتصاديًا وعسكريًا كبيرًا أيضًا.
لذلك تحاول طهران، وفق الصورة التي ترسمها المفاوضات الحالية، استثمار قدرتها على تعطيل المضيق للحصول على مكاسب لا تستطيع تحقيقها بسهولة في مسارات تفاوضية أخرى. تحليل نشرته أسوشيتد برس اليوم أشار إلى أن القيادة الإيرانية ترى السيطرة على هرمز إحدى أهم أدوات الضغط المتبقية لديها في مواجهة واشنطن. (AP News)
نجاح هذه الاستراتيجية سيعني شيئًا مهمًا:
أن إيران استطاعت تحويل قدرة عسكرية على تعطيل الممر إلى نفوذ سياسي داخل قواعد تشغيله.
أما فشلها فقد يعيد المنطقة سريعًا إلى التصعيد العسكري.
لماذا يجب أن يهمنا هذا عربيًا؟
لأن معظم الدول التي تدفع التكلفة ليست أطرافًا مباشرة في المفاوضات الأميركية الإيرانية.
السعودية والإمارات والكويت والعراق وقطر تعتمد بدرجات مختلفة على أمن طرق تصدير الطاقة في الخليج.
وفي الأشهر الماضية، أظهرت الأزمة أن عدم استقرار ممر واحد يمكن أن يرفع تكلفة الشحن والتأمين والطاقة، ويضغط على اقتصادات بعيدة آلاف الكيلومترات عن ساحة الحرب.
لهذا فإن السؤال العربي ليس فقط:
متى سيفتح هرمز؟
بل:
ومن سيحدد قواعد المرور فيه بعد هذه الحرب؟
ما الذي يجب مراقبته الآن؟
العلامة الأولى ليست مؤتمرًا صحفيًا.
بل السفن.
إذا بدأ عدد الناقلات بالارتفاع بصورة مستمرة، وعادت شركات التأمين إلى تغطية الرحلات وانخفضت تكاليف المخاطر، سيكون ذلك دليلًا أقوى على أن الاتفاق يعمل فعليًا.
أما سياسيًا، فيجب مراقبة ثلاث نقاط: هل توافق واشنطن على الدور الإيراني المقترح داخل الممر؟ هل تُرفع أو تخفف القيود الأميركية المرتبطة بالموانئ الإيرانية؟ وهل تتوقف الهجمات على السفن بما يكفي لإقناع الشركات بالعودة؟
حتى ذلك الوقت، الحديث عن «إعادة فتح هرمز» يظل سابقًا لأوانه — خصوصًا أن هذا بالتحديد ما حدث أكثر من مرة في الأسابيع الماضية: إعلانات أميركية عن اتفاق وشيك، يعقبها نفي إيراني لوجود مفاوضات أصلًا.
ما يحدث الآن هو تفاوض على الشكل الذي سيكون عليه المضيق بعد الحرب، وليس مجرد إعادة فتح بوابة كانت مغلقة.

