علي الطاهر.. التلة التي تختبر السيادة في جنوب لبنان
في جنوب لبنان، هناك تلال كثيرة. لكن بعض التلال لا تبقى تلالًا
ملخص :
مرتفعات علي الطاهر، الواقعة في نطاق النبطية، تحولت خلال الأسابيع الأخيرة إلى اسم يتكرر في البيانات العسكرية والتقارير الميدانية والاتصالات الدبلوماسية. وفي ليلة السبت ـ الأحد، عادت الغارات والقذائف لتضعها تحت نار كثيفة، بالتزامن مع قصف مناطق محيطة بها وعمليات هدم في بلدات جنوبية أخرى. وأفادت تقارير ميدانية حديثة بأن القصف على علي الطاهر استمر، فيما لم يكن هناك، حتى أحدث تحديثات متاحة، تأكيد على تقدم بري إسرائيلي جديد نحو المرتفعات.
لكن القصة الحقيقية ليست عدد الغارات
القصة أن علي الطاهر أصبحت اختبارًا مبكرًا لشكل جنوب لبنان بعد الحرب: هل تكون الأرض تحت سلطة الدولة اللبنانية، أم تبقى ساحة نفوذ لحزب الله، أم تتحول إلى منطقة أمنية تفرض إسرائيل شروطها فيها بالقوة؟
وهنا تحديدًا تصبح التلة الصغيرة أكبر من حجمها على الخريطة.
تلة بارتفاع 600 متر.. لكن نفوذها أكبر من ارتفاعها
تقع مرتفعات علي الطاهر في منطقة النبطية، شمال نهر الليطاني، وتتمتع بارتفاع يقارب 600 متر، ما يمنحها إشرافًا واسعًا على النبطية ومناطق من إقليم التفاح ومحيط الجنوب.
في الحساب العسكري، الارتفاع ليس رقمًا في كتاب الجغرافيا. إنه مجال رؤية، وقدرة على المراقبة، ونقطة أفضل لفهم حركة الأرض المحيطة والتحكم بممراتها. ولهذا أصبحت المرتفعات موضع اهتمام عسكري متزايد منذ تصاعد المواجهة الأخيرة.
ومنذ أسابيع، لم يعد اسم علي الطاهر مرتبطًا بغارة منفردة. فقد أصبحت المرتفعات هدفًا متكررًا للضربات الإسرائيلية، فيما توسعت العمليات في محيطها لتشمل قصفًا مدفعيًا وغارات وعمليات تفجير وهدم في عدد من البلدات الجنوبية. وفي أحدث تصعيد، قالت L’Orient Today إن الضربات على المرتفعات استخدمت صواريخ شديدة الانفجار، بالتزامن مع قصف مدفعي وإشعال حرائق في مناطق قريبة.
المعادلة ببساطة: من يرى أكثر، يستطيع أن يحسب أكثر. ومن يسيطر على المرتفع، يضيف إلى حساباته ورقة عسكرية وسياسية في آن واحد.
لماذا لا تتوقف إسرائيل عن ضربها؟
الرواية الإسرائيلية تربط عملياتها في المنطقة بما تصفه بوجود بنية عسكرية لحزب الله. وتشير تقارير ومصادر مرتبطة بالجانب الإسرائيلي إلى وجود مواقع ومنشآت تحت الأرض في منطقة علي الطاهر، وإلى أن العمليات تهدف إلى منع استخدام هذه البنية ضد القوات الإسرائيلية. لكن هذه الرواية يجب أن تبقى في خانة **الادعاء المنسوب إلى إسرائيل** ما لم تتوافر أدلة مستقلة تسمح بتثبيتها.
أما الثابت ميدانيًا، فهو أن إسرائيل تواصل استهداف المرتفعات منذ أسابيع، وأن المنطقة أصبحت واحدة من أبرز نقاط التوتر في الجنوب. وفي المقابل، أعلن حزب الله تمسكه بالمرتفعات، رافضًا التخلي عنها وفق تصريحات نقلتها وسائل إعلام لبنانية.
وهكذا نشأت معادلة شديدة الخطورة: إسرائيل تقول إن أمنها يتطلب إزالة الخطر من المنطقة، وحزب الله يقول إن الموقع لن يُترك، بينما تحاول الدولة اللبنانية أن تجد لنفسها مكانًا في معادلة يفترض أن تكون فيها صاحبة السلطة على الأرض.
من تلة عسكرية إلى ورقة تفاوض
هنا تبدأ القصة السياسية. فالتصعيد حول علي الطاهر يتزامن مع مسار تفاوضي بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، يبحث في ملفات تشمل وقف إطلاق النار والحدود وانتشار الجيش اللبناني وإنشاء ما عُرف بالمناطق التجريبية.
وبحسب أحدث التقارير، لا تزال خطة «المناطق التجريبية» متوقفة في ظل غياب تقدم حاسم في المفاوضات. كما أن قائد الجيش اللبناني رودولف هيكل توجه إلى روما الأحد، في وقت تستمر فيه الاتصالات حول مستقبل الترتيبات الأمنية في الجنوب.
وهنا تكتسب علي الطاهر قيمة تتجاوز موقعها العسكري.
فإذا كان الهدف النهائي هو توسيع حضور الدولة اللبنانية في الجنوب، فإن السؤال يصبح: أين يبدأ هذا الحضور، ومن يسلّم الأرض لمن؟
خلال الأيام الماضية، ظهرت تقارير عن مقترحات أو اتصالات بشأن إمكان انتقال الموقع إلى الجيش اللبناني، لكن هذه الروايات لم تحظَ بإجماع، وظهرت في مقابلها نفي ومواقف تؤكد التمسك بالمنطقة.
لذلك لا يمكن تقديم «تسليم علي الطاهر للجيش» كحقيقة محسومة، لكن مجرد طرحها على طاولة التفاوض يكشف شيئًا مهمًا: التلة أصبحت جزءًا من التفاوض على شكل الدولة نفسها في جنوب لبنان.
إسرائيل تضرب.. والجيش اللبناني يدخل المشهد من الباب السياسي
المعضلة اللبنانية ليست فقط عسكرية. فالدولة تريد أن يكون الجيش والمؤسسات الرسمية صاحبي القرار الأمني في الجنوب، بينما لا يزال حزب الله لاعبًا مسلحًا رئيسيًا، وتقول إسرائيل إن وجود هذا السلاح قرب مناطقها يمثل تهديدًا أمنيًا.
وفي المقابل، ترى بيروت أن استمرار العمليات الإسرائيلية يقوّض أي ترتيبات يفترض أن تسمح للدولة اللبنانية باستعادة سيادتها على الأرض.
وهكذا يصبح الجنوب عالقًا بين ثلاث خرائط: خريطة إسرائيل الأمنية، خريطة حزب الله العسكرية، وخريطة الدولة اللبنانية التي تحاول أن تستعيد كامل سلطتها… وعلي الطاهر تقع عند نقطة التماس بين الخرائط الثلاث.
القصف لا يبقى فوق التلة.. بل ينزل إلى البيوت
في غرفة العمليات العسكرية قد تُقاس أهمية علي الطاهر بالارتفاع والرؤية وخطوط الحركة. أما بالنسبة لسكان الجنوب، فالمعادلة مختلفة تمامًا.
كلما استمر القصف، تأخرت العودة. وكلما بقي الوضع الأمني غامضًا، تأخرت إعادة الإعمار. وكلما أصبحت الأرض منطقة عمليات مستمرة، صار المنزل القريب من موقع عسكري أقل قابلية لأن يكون منزلًا طبيعيًا.
وفي التصعيد الأخير، لم يقتصر القصف على علي الطاهر؛ فقد شملت العمليات مناطق واسعة في الجنوب، مع غارات وقصف مدفعي وعمليات هدم في بلدات عدة. وقالت مصادر أممية إن النشاط العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان شهد ارتفاعًا ملحوظًا، وإن المدنيين يدفعون الثمن الأكبر مع اضطرار عائلات إلى النزوح أو تغيير نمط حياتها بسبب انعدام الأمن.
وكانت ضربات 15 أغسطس قد أسفرت عن مقتل 11 شخصًا في جنوب لبنان، وفق وزارة الصحة اللبنانية، في واحدة من أكثر جولات التصعيد دموية منذ إطار التهدئة الذي رعته الولايات المتحدة.
لذلك فإن السؤال حول علي الطاهر ليس سؤالًا عسكريًا مجردًا.
إنه سؤال عن “متى يستطيع سكان الجنوب أن يعرفوا أي مستقبل ينتظرهم: عودة إلى بيوتهم، أم منطقة أمنية مفتوحة، أم جولة جديدة من الحرب؟”
15 أغسطس كان إنذارًا.. وأغسطس لم ينتهِ
في منتصف الشهر، وصلت المواجهة إلى مستوى أكثر دموية. قالت إسرائيل إنها نفذت ضربات على بنية تحتية لحزب الله ردًا على أعمال استهدفت قواتها في الجنوب، فيما أعلنت السلطات اللبنانية مقتل 11 شخصًا في الضربات الإسرائيلية. ومنذ ذلك الحين، لم تهدأ الجبهة تمامًا. بل تحولت علي الطاهر بصورة متزايدة إلى مركز للتصعيد، بالتزامن مع ضربات في مناطق أخرى وعمليات هدم وتدمير، ما يعزز المخاوف من أن يصبح «الترتيب الأمني المؤقت» واقعًا ميدانيًا طويل الأمد.
وهنا تكمن الخطورة… فالحدود لا تتغير دائمًا بقرار معلن. أحيانًا تبدأ بتغيير ما تستطيع القوات رؤيته، وما تستطيع المدنيون الوصول إليه، وما تستطيع الدولة أن تفرضه على الأرض.
السيناريو الأخطر ليس سقوط التلة.. بل بقاء الغموض
حتى الآن، لا ينبغي القول إن إسرائيل «احتلت» علي الطاهر بالكامل؛ بينما يستمر القصف ولا يوجد سيطرة برية كاملة على المرتفعات. لكن هناك سيناريوهات عدة تفرض نفسها. الأول بدخول الجيش اللبناني، فإذا أصبحت علي الطاهر جزءًا من ترتيبات تسليم للجيش اللبناني، فقد تتحول إلى اختبار عملي لقدرة الدولة على توسيع سلطتها في الجنوب. وهذا سيكون مكسبًا سياسيًا كبيرًا لبيروت إذا ترافق مع وقف العمليات الإسرائيلية وانسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي تطالب بها الدولة اللبنانية.
أما السيناريو الثاني "بقاء حزب الله"، ممسكًا بالموقع أو حاضرًا فيه عسكريًا، فستظل إسرائيل قادرة على استخدام وجوده لتبرير استمرار عملياتها. وبذلك تصبح التلة جزءًا من حلقة مغلقة من خلال "وجود السلاح يبرر الضربات، والضربات تعزز منطق المقاومة، واستمرار المواجهة يضعف قدرة الدولة على فرض ترتيباتها".
أما السيناريو الثالث بوجود إسرائيلي طويل الأمد وهو الأكثر حساسية سياسيًا، ليس لأن تلة واحدة ستغير خريطة لبنان، بل لأن وجودًا عسكريًا طويلًا في موقع استراتيجي يمكن أن يحول «الإجراء الأمني» إلى أمر واقع.
وعندها يصبح السؤال: هل نحن أمام منطقة مؤقتة لحماية الأمن، أم أمام واقع جغرافي جديد يحتاج لاحقًا إلى تفاوض لاستعادته؟
المعركة الحقيقية فوق علي الطاهر ليست على التلة
قد تبدو الصورة للوهلة الأولى واضحة: إسرائيل تقصف، حزب الله يتمسك، والجيش اللبناني ينتظر.
لكن الصورة الأعمق أكثر تعقيدًا هي أن إسرائيل تريد ترتيبات أمنية تمنع عودة التهديد من الجنوب، وحزب الله لا يريد أن يفقد موقعًا يرى فيه عنصرًا من عناصر قوته وردعه، أما لبنان فيريد استعادة سيادة الدولة ومنع تحويل أراضيه إلى ساحة مفتوحة للصراع.
والولايات المتحدة تحاول دفع الأطراف نحو صيغة تفاوضية تشمل انتشار الجيش ونزع سلاح حزب الله في مناطق محددة، فيما لا تزال المفاوضات تواجه عقبات.
لهذا فإن علي الطاهر أصبحت أشبه بـ "اختبار مصغر لمستقبل الجنوب كله". إذا أمكن الوصول إلى ترتيب يجعل الجيش اللبناني صاحب الكلمة على الأرض، فقد تصبح التلة نموذجًا لتسوية أوسع. وإذا فشل ذلك، فقد تصبح علي الطاهر عنوانًا لجولة جديدة من الصراع.
من يملك الأرض عندما يصمت المدفع؟
هذا هو السؤال الذي يستحق أن يبقى بعد انتهاء خبر الغارة. وليس: كم صاروخًا سقط؟ ولا: كم مرة تعرضت التلة للقصف؟ بل: من سيكون فوق علي الطاهر عندما ينتهي القتال؟
الإجابة ستقول الكثير عن مستقبل جنوب لبنان، فإذا كان الجيش اللبناني هو الطرف الذي يمسك الأرض، فإن ذلك يعني تقدمًا في مسار استعادة سلطة الدولة، وإذا بقي حزب الله، فستبقى المعادلة الأمنية القديمة حاضرة، وإذا استقر وجود إسرائيلي طويل الأمد، فقد تنتقل الأزمة من مواجهة عسكرية إلى نزاع سياسي وجغرافي مفتوح.
لهذا السبب تحديدًا لا يمكن قراءة ما يجري في علي الطاهر باعتباره خبرًا محليًا عن قصف تلة. "إنها معركة على اليوم التالي". اليوم الذي يفترض أن تنتهي فيه الحرب، وتبدأ فيه الدولة. لكن في جنوب لبنان، يبدو أن السؤال الأصعب لم يعد متى تتوقف الغارات… بل: "ماذا سيبقى على الأرض بعد أن تتوقف؟".
اقرأ أيضا: https://satrmedia.com/article/6041

