ثروات فنزويلا غير النفط.. هل تضع واشنطن يدها على الذهب والمعادن الحيوية؟
ساحة جديدة في معركة واشنطن لإعادة بناء سلاسل الإمداد وتقليص الاعتماد على الصين
ملخص :
لا يبدو أن انفتاح الولايات المتحدة المتسارع على فنزويلا يتوقف عند قطاع النفط. فبعد سلسلة خطوات لتوسيع نشاط الشركات الغربية في الطاقة، تدرس إدارة الرئيس دونالد ترامب توسيع حضورها في قطاع التعدين الفنزويلي، في تحرك قد يضع الموارد المعدنية في البلاد ضمن حسابات الأمن القومي وسلاسل الإمداد الأمريكية.
وبحسب ثلاثة مصادر مطلعة على المناقشات تحدثت إلى وكالة «رويترز»، تبحث الإدارة الأمريكية إصدار أمر تنفيذي محتمل يركز على المعادن الحيوية، فيما لا تزال صياغته قيد الإعداد، ولا يمثل حتى الآن قرارًا نهائيًا.
في المقابل، قال مسؤول في البيت الأبيض إن الإدارة لا ترى حاليًا حاجة إلى أمر تنفيذي جديد، معتبرًا أن القوانين القائمة توفر إطارًا مناسبًا للاستثمار.
خطوة تتجاوز النفط
تأتي هذه المناقشات بعد تحركات أمريكية فعلية لفتح المجال أمام التعامل مع قطاع التعدين الفنزويلي. فقد عدّلت وزارة الخزانة الأمريكية في سبتمبر تراخيص تسمح ببعض الأنشطة والخدمات المرتبطة بالفحم والمعادن، بما فيها الذهب، كما تتيح التفاوض بشأن استثمارات محتملة في القطاع.
وبذلك، لا تبدأ واشنطن من الصفر بل تبدو وكأنها تبني تدريجيًا إطارًا قانونيًا واستثماريًا يسمح للشركات الأمريكية والغربية بالعودة إلى الموارد الفنزويلية.
وتكتسب الخطوة أهمية أكبر في ضوء سياسة إدارة ترامب الهادفة إلى تأمين سلاسل إمداد المعادن الحيوية وتقليل مواطن الضعف أمام الصين، التي تتمتع بنفوذ واسع في عمليات تعدين ومعالجة عدد من المعادن الاستراتيجية.
ثروة معدنية كبيرة.. لكن غير محسومة
تمتلك فنزويلا مؤشرات على موارد واسعة من الذهب وخام الحديد والبوكسيت والنيكل، إضافة إلى مكامن محتملة للنحاس والكولتان والتنغستن واليورانيوم.
لكن حجم هذه الثروة لا يزال محاطًا بدرجة كبيرة من عدم اليقين. فبيانات حكومية تعود إلى عام 2018 تقدر موارد الذهب بنحو 644 طنًا، وخام الحديد بنحو 14.68 مليار طن، والبوكسيت بنحو 321.5 مليون طن، والنيكل بنحو 407 آلاف طن. إلا أن استخدام البيانات لمصطلحي «الموارد» و«الاحتياطيات» بصورة متبادلة يجعل من الصعب تحديد الكميات القابلة للاستخراج اقتصاديًا. كما أن بعض الخرائط الجيولوجية الحكومية تعتمد على بيانات قديمة تعود إلى عام 2009.
وتعني هذه الفجوة أن الاستثمار المحتمل لن يكون مجرد انتقال سريع إلى استخراج المعادن، بل قد يتطلب أولًا عمليات استكشاف ومسح جيولوجي وتقييم اقتصادي واسع.
التعدين غير القانوني.. العقبة الأصعب
ويواجه أي انفتاح استثماري أمريكي في التعدين تحديًا أمنيًا وبيئيًا كبيرًا، خصوصًا في منطقة قوس أورينوكو التعدينية، حيث ينتشر التعدين غير القانوني وتوجد جماعات مسلحة وشبكات اقتصادية مرتبطة بالذهب.
لجنة البلدان الأمريكية لحقوق الإنسان حذرت أخيرًا من توسع التعدين غير القانوني في جنوب فنزويلا ووصوله إلى مناطق محمية، من بينها منتزه كانايما، وما يرافق ذلك من أضرار بيئية وضغوط على السكان الأصليين.
النفط يمهد الطريق للمعادن
يتزامن التحرك مع توسع كبير للشركات الغربية في قطاع الطاقة الفنزويلي. وفي سبتمبر، أُعلنت اتفاقات جديدة شملت شركات مثل «شيفرون» و«إيني»، مع خطط لاستثمارات بمليارات الدولارات وزيادة إنتاج النفط.
وتشير هذه التطورات إلى تحول أوسع في طبيعة العلاقة الاقتصادية بين واشنطن وكاراكاس: من التركيز على النفط إلى التعامل مع فنزويلا باعتبارها حزمة متكاملة من الموارد الطبيعية والفرص الاستثمارية.
منافسة على الموارد.. وإعادة رسم النفوذ
إذا تحولت دراسة الأمر التنفيذي إلى سياسة رسمية، فقد تدخل فنزويلا مرحلة جديدة تصبح فيها مواردها المعدنية جزءًا من المنافسة الأمريكية مع الصين على تأمين المعادن الحيوية.
لكن من المبكر وصف ذلك بأنه «سيطرة أمريكية» على التعدين الفنزويلي. فالمطروح حتى الآن هو توسيع وصول الشركات والاستثمارات الأمريكية، بينما لا تزال الاحتياطيات القابلة للاستخراج، وشروط العقود، وطبيعة الامتيازات المستقبلية، ومدى قدرة الحكومة الفنزويلية على ضبط التعدين غير القانوني، ملفات مفتوحة.
وبالتالي، فإن التطور الأهم ليس معدنًا بعينه، بل انتقال السياسة الأمريكية في فنزويلا من معادلة النفط وحده إلى معادلة أوسع عنوانها الموارد الاستراتيجية. وهي معادلة قد تجعل فنزويلا، بما تمتلكه من نفط ومعادن وموقع جغرافي، ساحة جديدة في معركة واشنطن لإعادة بناء سلاسل الإمداد وتقليص الاعتماد على الصين.

