الأردن تحت النار.. هل تحوّلت المملكة إلى ساحة في حرب بين إيران وأمريكا؟
ملخص :
فجر الأربعاء 9 سبتمبر 2026، صدت الدفاعات الجوية الأردنية الصواريخ الإيرانية في مدن عمّان وإربد والمفرق، في أكبر موجة صواريخ باليستية تستهدف المملكة منذ اندلاع الحرب الإقليمية في 28 فبراير الماضي.
الجيش الأردني أعلن اعتراض وتدمير 18 صاروخا من أصل 20 أُطلقت من الأراضي الإيرانية، فيما سقط صاروخان في مناطق نائية دون تسجيل إصابات أو خسائر بشرية. ووصفت مصادر أردنية وسورية الهجوم بأنه "غير مسبوق" في حجمه، مع رصد اعتراضات مكثفة فوق سماء العاصمة ومدن شمالية.
السياق: حرب الناقلات في مضيق هرمز
الضربة لم تأتِ من فراغ، بل جاءت حلقة في تصعيد بحري متسارع بين واشنطن وطهران. فقبل ساعات، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية "سنتكوم" تدمير خمس ناقلات نفط تابعة للحرس الثوري الإيراني، بعد محاولات إيرانية لاستهداف سفن حربية أمريكية في المنطقة، وذلك في تصعيد للمواجهة التي بدأت أواخر الأسبوع الماضي حين قصفت واشنطن ثلاث ناقلات إيرانية ردًا على إطلاق الحرس الثوري صواريخ باليستية تجاه سفينتين أمريكيتين. ورد الحرس الثوري حينها باستهداف ست سفن وناقلات في المضيق، مهددًا بأن ضرباته القادمة "ستكون أشد من السابق".
في هذا السياق، أعلن الحرس الثوري تنفيذ عملية أطلق عليها اسم "تأديب المعتدين"، استهدف خلالها ما وصفه بمنشآت أمريكية في قاعدة الأزرق الجوية شرق الأردن، إضافة إلى مدمرتين أمريكيتين، معتبرًا أن القواعد الأمريكية على الأراضي الأردنية "لا تزال توفر الدعم للاعتداءات ضد إيران".
لماذا الأردن تحديدًا؟
عمّان تؤكد رسميًا أنها لا تستضيف قواعد أجنبية دائمة، لكن قوات محدودة من عدة دول، بينها الولايات المتحدة، تتواجد ضمن اتفاقيات تعاون وتدريب، أبرزها في قاعدة الأزرق شرقي البلاد التي استُخدمت سابقًا في التحالف الدولي ضد تنظيم داعش. ووزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي كرر مرارًا أن المملكة ليست طرفًا في الحرب الدائرة.
خبراء عسكريون أردنيون، يرون في تصريحات إعلامية لهم، أن تكرار الاستهدافات الإيرانية لا يعني بالضرورة أن الأردن أصبح "بنك أهداف" ثابتًا لطهران، بل يعكس في جانب منه حالة "تخبط ويأس" في القرار الإيراني وسط ضغط الحرب على عدة جبهات، وأن تبرير إيران هجماتها بأنها ترد على الوجود الأمريكي لا يفسر كل الضربات، بعضها طال أهدافًا مدنية لا صلة لها بذلك الوجود. ومنذ بداية الحرب في فبراير، أعلن الجيش الأردني تعرض المملكة لنحو 281 صاروخًا وطائرة مسيّرة إيرانية، اعترض منها 261، وأسفرت الهجمات المتراكمة عن إصابة نحو 30 شخصًا.
ردود الفعل الدولية والعربية
الإدانات توالت سريعًا. مصر أعلنت عبر خارجيتها "رفضها القاطع" لأي تصعيد يوسّع دائرة الصراع ويهدد استقرار المنطقة، محمّلة طهران "المسؤولية القانونية الكاملة" عن الاعتداءات وتبعاتها. اليمن أدان الهجمات "بأشد العبارات" واعتبرها "انتهاكًا سافرًا" لسيادة الأردن. قطر والسعودية أصدرتا بيانات مماثلة تحذّر من تقويض الجهود الدبلوماسية الرامية لاحتواء التوتر. من جانبها، وصفت الخارجية الإيرانية الضربات الأمريكية على الناقلات بأنها "انتهاك صارخ لميثاق الأمم المتحدة"، ودعت المجتمع الدولي للتحرك العاجل ضد واشنطن، متجاهلة الإدانات العربية لضرباتها على الأردن. أما وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو فأكد أن بلاده "ستواصل استهداف الناقلات الإيرانية بضربات انتقامية" ما استمر الحرس الثوري في مهاجمة القوات الأمريكية.
هل يغيّر ذلك شكل الصراع الأمريكي-الإيراني؟
نعم، بصورة ملموسة. حتى الآن كانت المواجهة تدور أساسًا في البحر (مضيق هرمز) وبين طهران وتل أبيب وواشنطن مباشرة. توسيع إيران دائرة استهدافها لتشمل أراضي دولة عربية غير طرف في الحرب، وبكثافة "غير مسبوقة"، يحمل خطر جرّ أطراف إقليمية إضافية إلى المواجهة، ويضع دول الخليج والأردن في موقع دفاعي مستمر، كما يفتح الباب أمام تحالفات دفاع جوي إقليمية أوسع. في المقابل، يعكس التصعيد أيضًا محاولة إيرانية للرد على ضربات "سنتكوم" دون الدخول في مواجهة مباشرة أوسع مع الأسطول الأمريكي، عبر استهداف أهداف "بديلة" أقل كلفة استراتيجية من الاشتباك المباشر في المياه الدولية.
القراءة العسكرية للضربة
من الناحية العملياتية، فإن نسبة اعتراض 90% (18 من 20 صاروخًا) تعكس قدرة أردنية-إقليمية متقدمة نسبيًا في الدفاع الجوي، لكنها لا تخلو من ثغرات: سقوط صاروخين على الأراضي رغم منظومات الإنذار المبكر يشير إلى أن جزءًا من الصواريخ الباليستية العابرة للحدود يستطيع اختراق الدفاعات، ما يرفع منسوب المخاطرة مع كل موجة إطلاق جديدة. كما أن اختيار إيران لصواريخ باليستية "ثقيلة" بدل الطائرات المسيّرة الأرخص يوحي برغبة في إحداث أثر رمزي وإعلامي أكبر، بصرف النظر عن الدقة الفعلية للإصابة، في رسالة ردع موجهة لواشنطن عبر الأردن كساحة بديلة عن الاشتباك المباشر.
النتيجة أن عمّان تدفع ثمنًا أمنيًا واقتصاديًا ونفسيًا متصاعدًا لصراع تُصرّ على أنها ليست طرفًا فيه، بينما تكتفي الإدانات العربية والدولية بالتضامن اللفظي دون أن تغيّر من كون الأردن، عمليًا وليس رسميًا، ساحة اشتباك بديلة في الحرب الأمريكية-الإيرانية.

