من هرمز إلى الأزرق وجازان.. كيف رسمت إيران خريطة ضغط متعددة الجبهات؟
نقل ساحة الرد إلى مواقع أقل كلفة استراتيجية.. هروب للأمام أم خطأ استراتيجي؟
ملخص :
في غضون أقل من 48 ساعة، اشتعلت ثلاث جبهات متزامنة في الشرق الأوسط: صواريخ إيرانية ثقيلة استهدفت قاعدة الأزرق في الأردن، وهجوم حوثي واسع ضرب منشآت الطاقة جنوب السعودية، ومواجهة بحرية متصاعدة في مضيق هرمز بين واشنطن وطهران. الحوادث الثلاثة، رغم اختلاف منفذيها الظاهر، تبدو أقرب إلى استراتيجية واحدة: تشتيت الضغط الأمريكي عبر جغرافيا متعددة بدل حصر المواجهة في ساحة تتفوق فيها واشنطن عسكريًا.
نقطة الانطلاق: حرب ناقلات لم تُحسم في هرمز
بدأ التصعيد الأخير من البحر. فبعد إطلاق الحرس الثوري صواريخ باليستية على سفينتين أمريكيتين، دمّرت "سنتكوم" ثلاث ناقلات نفط إيرانية، فردّ الحرس باستهداف ست سفن وناقلات في المضيق. وحين واصلت أمريكا الضغط بتدمير خمس ناقلات إضافية، وجدت طهران نفسها أمام معادلة صعبة: الاستمرار في مواجهة بحرية مباشرة تخسر فيها تدريجيًا أسطولها النفطي، أو نقل ساحة الرد إلى مواقع أقل كلفة استراتيجية. اختارت الخيار الثاني، فأطلق الحرس الثوري عملية "تأديب المعتدين" ضد قاعدة الأزرق الأردنية، معتبرًا الوجود الأمريكي هناك امتدادًا لجبهة القتال.
الأردن: ساحة بديلة لا طرف في الحرب
اعترضت الدفاعات الجوية الأردنية 18 من أصل 20 صاروخًا باليستيًا في أعنف موجة تستهدف المملكة منذ بدء الحرب في فبراير، دون إصابات بشرية. لكن الأرقام التراكمية أكثر دلالة: 281 صاروخًا ومسيّرة إيرانية استهدفت الأردن منذ فبراير، اعتُرض 261 منها، وأصيب نحو 30 شخصًا. خبراء عسكريون أردنيون يصفون هذا التكرار بأنه مزيج من "التخبط واليأس" في القرار الإيراني أكثر منه استراتيجية ممنهجة، خصوصًا أن تبرير طهران هجماتها بالوجود الأمريكي لا يفسر كل الضربات التي طالت مواقع مدنية. الأردن، رغم التزامه المعلن بعدم الانخراط في الحرب، يدفع عمليًا ثمن جغرافيته واستضافته قوات أمريكية محدودة ضمن اتفاقيات تعاون قديمة.
اليمن: انهيار هدنة وفتح جبهة موازية
بالتوازي، انهارت الهدنة الهشة بين الحوثيين والسعودية التي صمدت منذ 2022، إذ أعلن الحوثيون في يوليو حصارًا على الملاحة السعودية وضربوا مصافي أرامكو في جازان. الثلاثاء الماضي، اتسع الهجوم ليشمل أبها وخميس مشيط ونجران وجازان، مخلّفًا 73 إصابة مدنية وحرائق في منشآت طاقة. مسؤولون أمريكيون ربطوا مباشرة بين هذا التصعيد وإيران، معتبرين طهران الموجّه الفعلي للهجمات. الرياض، من جهتها، لم تكتفِ بالإدانة: أعلنت التخطيط لرد حاسم بالتنسيق مع "سنتكوم" والحلفاء الأوروبيين، ونفذت بالفعل أكثر من 30 غارة جوية على مواقع حوثية.
اختبار اتفاقية مكة: تحذير باكستاني وصمت تركي حذر
الأهم أن الهجوم على السعودية جاء بعد شهر واحد فقط من توقيع "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" بين الرياض وإسلام آباد وأنقرة (7 أغسطس)، التي تنص على أن أي عدوان على إحدى الدول الثلاث يُعد عدوانًا على الجميع. باكستان كانت الأكثر وضوحًا: حذّر وزير دفاعها من أن الاتفاقية "ستدخل حيز التنفيذ حتمًا" إذا امتدت تداعيات اليمن إلى الداخل السعودي، مؤكدًا التزام إسلام آباد الكامل، لكنه أبقى الباب مفتوحًا أمام الوساطة الدبلوماسية بدل التصعيد الفوري. تركيا، في المقابل، اكتفت بإدانة سياسية دون أي إشارة لتفعيل بنود الدفاع المشترك، ما يعكس تحفظًا أنقرة عن الانخراط العسكري المباشر في هذه المرحلة.
القراءة الأوسع
ما يحدث ليس صراعًا ثنائيًا بين إيران وأمريكا، بل شبكة ضغط متعددة الأطراف: إيران تراهن على أن حلفاء واشنطن الإقليميين سيتحملون كلفة المواجهة بدل أن تخوضها هي مباشرة في البحر، بينما تختبر في الوقت ذاته مدى جدية التحالفات الدفاعية الجديدة كاتفاقية مكة. حتى الآن، يبدو الرد على هذه الاستراتيجية إقليميًا متدرجًا "إدانات، غارات محدودة، تحذيرات مشروطة" أكثر منه حاسمًا، ما يترك الباب مفتوحًا أمام مزيد من التصعيد المتنقل بين الجبهات ما لم تتغير قواعد الاشتباك الأمريكية-الإيرانية جذريًا في هرمز نفسه.
حجة "الهروب للأمام"
المنطق هنا أن إيران، بعد خسارتها المتكررة في المواجهة المباشرة بمضيق هرمز تحتاج لإظهار "فعل قادر" أمام جمهورها الداخلي وحلفائها الإقليميين قبل أن تتآكل صورتها كقوة ردع. لكن هذا النوع من "الهروب للأمام" له عيب جوهري: هو تكتيك مسكّن لا استراتيجية حاسمة. فهو لا يوقف الخسائر في هرمز، ولا يجبر واشنطن على التراجع، بل يضيف جبهات جديدة يجب على إيران تمويلها وإدارتها في وقت هي أصلًا تحت ضغط اقتصادي وعسكري متصاعد.
إيران تربح لحظات ردع رمزية قصيرة الأمد، لكنها تخسر على المدى المتوسط رأس مال دبلوماسيًا كانت تحتاجه (الحياد الأردني، التردد الخليجي في الانحياز الكامل لواشنطن)، وتُسرّع بلورة تحالفات دفاعية إقليمية (مكة) لم تكن لتتشكل بهذه السرعة لولا هذا التصعيد. بعبارة أخرى: التكتيك يعمل لحظيًا كأداة ضغط، لكنه يراكم كلفة استراتيجية أكبر من عائده كلما طال أمده — وهذا هو الفارق الجوهري بين "كسب وقت" و"استراتيجية رابحة".

