باب المندب تحت السيطرة الحوثية: كيف يعيد التقدم الميداني رسم موازين الأمن الاقتصادي في المنطقة؟
مشهد ميداني متسارع يعيد تعريف خريطة الصالح والقوة العسكرية
ملخص :
خلال أيام معدودة، انتقلت جماعة الحوثي اليمنية من معارك محدودة في غرب تعز إلى سيطرة شبه كاملة على أحد أهم الممرات المائية في العالم. فبعد السيطرة على مدينة المخا ومينائها، توسع نفوذ الجماعة ليشمل مناطق واسعة من مديرية ذوباب المطلة مباشرة على المضيق، ثم دخول عناصرها إلى جزيرة ميون في قلب باب المندب من دون مقاومة تُذكر، وصولاً إلى بسط السيطرة على أرخبيل جزر حنيش وجزيرة زُقر في البحر الأحمر.
هذا التمدد الجغرافي المتسارع لا يمثل مجرد تحول تكتيكي في ميزان القوى الداخلي اليمني، بل يضع للمرة الأولى منذ سنوات قوة مسلحة واحدة في موقع يمكّنها من التأثير المباشر على حركة الملاحة عبر أحد أكثر الممرات ازدحاماً بالتجارة العالمية. وقد عبّر مجلس الدفاع الوطني اليمني عن هذا القلق بوضوح حين حذّر من تحوّل السواحل والجزر اليمنية إلى منصات تهديد للملاحة الدولية، داعياً مجلس الأمن والدول المطلة على البحر الأحمر إلى تحمل مسؤولياتها.
الأردن: حساب المخاطر على الغذاء والطاقة
من بين الدول الثلاث التي قد تتأثر مباشرة بأي تصعيد في باب المندب، يبدو الأردن الأكثر عرضة للخطر من الناحية البنيوية. المملكة تعتمد على البحر الأحمر في تأمين كامل احتياجاتها النفطية تقريباً، إلى جانب ما لا يقل عن 60 % من وارداتها الغذائية التي تمر عبر ميناء العقبة وممر باب المندب. أي اضطراب فعلي في حركة الملاحة، سواء عبر استهداف مباشر للسفن أو عبر فرض قيود من قبل القوى المسيطرة على المضيق، سينعكس بشكل مباشر على سلاسل الإمداد الأردنية التي لا تملك بدائل جغرافية سريعة بالحجم نفسه.
هذا الاعتماد الأحادي إلى حد كبير على ممر واحد يجعل الأردن، من الناحية الاقتصادية، من أكثر الأطراف الإقليمية حساسية لأي تطور في هذا الملف، حتى لو لم يكن طرفاً مباشراً في الصراع الدائر على الأرض.
مصر: عوائد السويس تحت المجهر
بالنسبة لمصر، فإن الملف مرتبط بشكل أساسي بمصير قناة السويس، التي شكلت لعقود أحد أهم مصادر العملة الصعبة للبلاد. فقد سبق أن تراجعت عوائد القناة بشكل حاد خلال الفترة بين عامي 2023 و2025 بما يقدَّر 10 - 12 مليار دولار، نتيجة تحويل شركات الشحن العالمية لمسارات سفنها بعيداً عن البحر الأحمر تجنباً لمخاطر الاستهداف في المرحلة السابقة من التصعيد الحوثي.
ورغم أن بعض المؤشرات أشارت إلى تحسن نسبي في هذه العوائد مؤخراً، مدفوعاً بعودة جزء من حركة الشحن الخليجي إلى استخدام البحر الأحمر بدلاً من مضيق هرمز، فإن التقدم الحوثي الأخير نحو السيطرة الكاملة على باب المندب يهدد بإعادة عجلة المخاوف إلى نقطة الصفر. فأي تصعيد جديد أو استهداف للسفن التجارية من شأنه أن يعيد شركات الشحن إلى خيار الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، بكل ما يحمله ذلك من كلفة إضافية على مصر تحديداً، بوصفها المستفيد المباشر من رسوم العبور عبر القناة.
السعودية: تهديد الشريان الثاني بعد هرمز
أما بالنسبة للرياض، فإن الخطورة تكمن في أن باب المندب يشكل، إلى جانب مضيق هرمز، أحد المنفذين الرئيسيين لصادراتها النفطية وحركة تجارتها الخارجية. وبينما يظل التهديد التقليدي لصادرات الخليج مرتبطاً تاريخياً بمضيق هرمز في الخليج العربي، فإن وصول قوة مسلحة معادية إلى موقع مسيطر على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر يفتح لأول مرة احتمال تعرض "الشريان البديل" ذاته للضغط، في وقت لا تملك فيه الرياض هامش مناورة كبيراً في حال تعطل الممرين معاً.
وفي هذا السياق، تناولت تقارير إعلامية أميركية، لم يتسنّ التحقق المستقل من دقتها، إشارات إلى أن الرياض طلبت تدخلاً أميركياً مباشراً ضد الحوثيين، وأن الإدارة الأميركية لم تستجب لهذا الطلب حتى الآن. وإذا صحّت هذه المعلومات، فإنها قد تعكس تبايناً في الأولويات بين الجانبين، في وقت لا تزال فيه واشنطن تسعى إلى دفع الرياض نحو مسار تطبيع مع إسرائيل لم تحسم السعودية موقفها منه بعد. غير أن هذا التفسير يبقى قراءة تحليلية واحدة بين قراءات محتملة أخرى، إذ يمكن أيضاً أن يُعزى تردد واشنطن إلى حسابات أوسع تتعلق بتجنب الانخراط العسكري المباشر في نزاع إقليمي متعدد الأطراف، أو إلى محاولة ترك المجال لتحرك دبلوماسي أو إقليمي بديل قبل اللجوء إلى خيارات عسكرية.
يأتي ذلك في الوقت الذي تدعو فيه المملكة مجلس الأمن لاتخاذ موقف حازم تجاه اعتداءات ميليشيا الحوثي.
البعد الإيراني ومعادلة الضغط الإقليمي
يضع التقدم الحوثي الملف اليمني في قلب المعادلة الإقليمية الأوسع المرتبطة بإيران. فمن جهة، يمنح غياب التدخل الأميركي المباشر طهران وحلفائها ورقة ضغط ميدانية تفاوضية إضافية، ويضع الإدارة الأميركية أمام اتهامات بفقدان زمام المبادرة في المنطقة. ومن جهة أخرى، فإن استمرار التهديد لأحد أهم ممرات التجارة العالمية قد يشكل لاحقاً مبرراً سياسياً لتصعيد أميركي أو إسرائيلي أوسع تجاه إيران، في حال اعتُبر النفوذ الحوثي امتداداً مباشراً للسياسة الإيرانية في المنطقة.
في المقابل، يبدو تأثير الملف على إسرائيل محدوداً نسبياً مقارنة بجيرانها العرب، ذلك أن الغالبية العظمى من وارداتها النفطية والغذائية تصل عبر البحر المتوسط وليس عبر ممر الأحمر - إيلات، ما يجعلها أقل عرضة مباشرة للتداعيات الاقتصادية الفورية لأي تصعيد في باب المندب، وإن كانت تبقى معنية بالبعد الأمني والاستراتيجي للملف.
إلى أين تتجه الأمور؟
تشير المعطيات الميدانية إلى أن المعركة الدائرة لم تعد مقتصرة على تحديد من يسيطر على مدن وقرى بعينها في الساحل الغربي اليمني، بل باتت تحمل أبعاداً تتجاوز الإطار الداخلي لتلامس أمن الملاحة الدولية واستقرار سلاسل الإمداد في المنطقة بأكملها. الأيام والأسابيع المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان التصعيد سيبقى محتوى ضمن حدود الصراع اليمني، أم أنه سيتطور إلى أزمة إقليمية أوسع تطال حركة التجارة العالمية عبر واحد من أكثر ممراتها حيوية.

