الأنبار بين المستودعات المهجورة والاستهداف السعودي.. سؤال السيطرة يطفو على السطح
من يتحمل مسؤولية "حرب المسيّرات"؟
ملخص :
كشفت وزارة الداخلية العراقية، السبت، عن ضبط مخزون كبير من الطائرات المسيّرة والمقذوفات في موقع مهجور بمنطقة الـ35 غرب محافظة الأنبار، في تطور أمني يصعب فصله عن السياق الأوسع الذي تشهده المنطقة منذ استهداف خط أنابيب "شرق-غرب" السعودي، الخميس الماضي، بمسيّرات قالت الرياض وبغداد إنها انطلقت من الأراضي العراقية.
موقع الحادثة ودلالاته
الموقع المضبوط، وهو محل مهجور كان يُستخدم سابقاً لتصليح إطارات العجلات، يعكس نمط عمل مألوفاً لدى الفصائل المسلحة في العراق: توظيف مواقع مدنية مهجورة وسط طبيعة جغرافية صحراوية وعرة يصعب على القوات الرسمية مراقبتها بشكل دائم. العدد الكبير نسبياً من المسيّرات (47 طائرة) والمقذوفات (46) يشير إلى بنية تحتية منظمة وليست عملية عرضية، ما يعزز فرضية ارتباط الموقع بفصيل مسلح ذي قدرات تشغيلية وتمويلية متقدمة، على ما ترجحه مصادر أمنية في المحافظة.
من يتحمل المسؤولية؟
تتوزع المسؤولية هنا على عدة مستويات متشابكة:
أولا، الفصائل المسلحة نفسها. تشير المعطيات إلى أن الأنبار، بحدودها مع الأردن وسوريا والسعودية، تحوّلت إلى ساحة نشاط لفصائل موالية لإيران تعمل تحت مظلة "الحشد الشعبي"، أبرزها "كتائب حزب الله" التي تُعد الأكثر نفوذا في غرب المحافظة، إلى جانب حركة "النجباء" و"كتائب سيد الشهداء" قرب الحدود السورية، ووجود أقل كثافة لـ"عصائب أهل الحق" ومنظمة "بدر". هذا التعدد في الفاعلين يجعل تحديد الجهة المسؤولة تحديدا دقيقا عن هجوم بعينه أمرا بالغ التعقيد، ويمنح كل فصيل هامش إنكار معقول، كما فعلت "المقاومة الإسلامية في العراق" حين نفت ضلوعها في استهداف المنشآت السعودية واعتبرت الاتهامات محاولة لصرف الأنظار.
ثانيا، الدولة العراقية. الحكومة، ممثلة برئيس الوزراء علي فالح الزيدي، تحركت بسرعة نسبية من خلال إدانة رسمية للهجمات، وإعلانها فتح تحقيق عاجل، وإقالة قائد عمليات ميسان بعد ثبوت انطلاق الاعتداءات من موقع داخل المحافظة، وإغلاق ثلاثة معابر حدودية مع إيران (الشلامجة، الشيب، مندلي). هذه الخطوات تعكس محاولة بغداد إثبات جديتها في ضبط الوضع، لكنها في الوقت ذاته تكشف هشاشة السيطرة الفعلية للدولة على مناطق شاسعة من أراضيها، خصوصا أن قائد عمليات قاطع الأنبار للحشد الشعبي، قاسم مصلح، كان قد نفى قبل أسابيع أي انسحاب لقوات الحشد من المحافظة، مؤكدا استمرار عملها بصورة طبيعية - وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى التنسيق أو غيابه بين القيادات الأمنية الرسمية والفصائل المسلحة الموازية.
ثالثا، البعد الإيراني. رغم موافقة العراق على طلب إيراني بإجراء تحقيق مشترك حول منصات الإطلاق قرب الحدود المشتركة، فإن الفصائل المتهمة بتنفيذ الهجمات معروفة تاريخيا بارتباطها الوثيق بطهران، وبدورها في تأمين خطوط إمداد السلاح لحزب الله اللبناني ولنظام الأسد سابقا. هذا يجعل من الصعب فصل الملف عن الصراع الإقليمي الأوسع بين إيران من جهة، والسعودية ودول الخليج من جهة أخرى.
محافظة الأنبار هي أكبر محافظات العراق مساحةً، إذ تبلغ مساحتها نحو 138,501 كم²، أي ما يعادل تقريباً ثلث مساحة العراق (مساحة العراق الإجمالية حوالي 438,317 كم²). هذه المساحة الشاسعة، إلى جانب طبيعتها الصحراوية الممتدة وحدودها مع ثلاث دول (الأردن وسوريا والسعودية)
ردود الفعل
جاءت ردود الفعل سريعة وموحدة نسبياً في إدانات دولية وصفت الاستهداف بأنه "انتهاك سافر لسيادة" السعودية و"خرق صارخ للقانون الدولي". فيما أكدت الرياض على لسان وزير خارجيتها فيصل بن فرحان، في اتصال مع نظيره العراقي فؤاد حسين على أهمية التنسيق الأمني، لكنها أوضحت أنها "آثرت عدم الرد" رغم تسجيل الهجوم إصابات بشرية - وهو موقف يعكس رغبة في احتواء التصعيد بدلا من الانزلاق إلى مواجهة مباشرة.
القراءة الأعمق
ما يجمع هذه المعطيات هو أن الأنبار باتت تمثل نقطة اختبار حقيقية لقدرة الدولة العراقية على فرض سيادتها الكاملة على أراضيها، في وقت تحاول فيه بغداد الموازنة بين علاقاتها مع محيطها العربي وبين وجود فصائل مسلحة قوية النفوذ ترتبط بإيران داخل نسيجها الأمني الرسمي. ضبط مستودع الأسلحة قد يكون خطوة عملياتية مهمة، لكنه لا يعالج جذر المشكلة المتمثلة بغياب احتكار الدولة الكامل لأدوات القوة، وهو ما سيبقي محافظات مثل الأنبار وميسان عرضة لتكرار مثل هذه الحوادث ما لم تحسم بغداد موقفها من ازدواجية السلطة الأمنية على أرضها وهو ما تسعى إليه في تصريحاتها الأخيرة.

