اليمن من الداخل.. أربعة وجوه متناحرة
من يحكم أين؟
ملخص :
في الأيام الأخيرة، لم تكن الأخبار القادمة من اليمن مجرد نشرة عسكرية عابرة. كانت إعلانا عن تغيّر في قواعد اللعبة. الحوثيون يستكملون سيطرتهم على مدينة المخا، ثم يصلون إلى جزيرة ميون في قلب مضيق باب المندب، بينما تتوعد الحكومة الشرعية بالرد داخل ما أسمته "منطقة قتل". خلف هذا العنوان، تقف أربع قوى تتقاسم اليمن جغرافيا وولاء.
في الشمال، تحكم جماعة الحوثي (أنصار الله) صنعاء ومساحات واسعة، بدعم إيراني، وتسيطر على نحو ثلث مساحة البلاد. لسنوات، اكتفت الجماعة باستهداف الملاحة الدولية عن بعد بالصواريخ والمسيّرات. وتوجيه صواريخ فرط صوتية نحو إسرائيل، الآن، وبعد تقدمها الميداني حتى شواطئ باب المندب، أصبحت تقف فعليا عند حافة أحد أهم ممرات التجارة العالمية، لا تراقبه من بعيد فحسب.
في الجنوب، تسيطر الحكومة الشرعية ممثلة بمجلس القيادة الرئاسي على أكثر من 60% من مساحة اليمن، بدعم من التحالف الذي تقوده السعودية. هذا المعسكر أعاد تنظيم صفوفه مطلع العام حين حلّ المجلس الانتقالي الجنوبي نفسه، ودمجت قواته ضمن تشكيل "درع الوطن"، في محاولة لتوحيد خطاب الشرعية بعد سنوات من التنافس الداخلي.
وعلى الساحل الغربي، كانت قوات المقاومة الوطنية بقيادة طارق صالح، المدعومة من الإمارات والسعودية، هي من يحرس الممرات البرية المؤدية إلى باب المندب، متمركزة في مدينة المخا. خسارتها الأخيرة لهذا الموقع، وتراجعها أمام التقدم الحوثي، هي جوهر التصعيد الحالي وسبب التهديد الحكومي المباشر.
وفي الشرق، تحتفظ قوى محلية وقبلية في حضرموت والمهرة وشبوة بتوازناتها الخاصة، أصغر حجما لكنها تتحكم بموارد نفطية ومنافذ استراتيجية لا يمكن تجاهلها.
المفارقة أن الأرقام وحدها لا تروي القصة كاملة. فالحكومة تملك مساحة أكبر وشرعية دولية، لكنها ائتلاف فصائل متعددة الولاء يصعب تحريكه بسرعة واحدة. الحوثيون يحكمون مساحة أقل من البلاد لكنهم أكثر تماسكا قياديا وعسكريا، وقد حوّلوا تقدمهم الأخير إلى ورقة ضغط تتجاوز حجمهم الجغرافي، لأنها تمس شريانا تجاريا عالميا مباشرة.
هذا ما يفسر لماذا صار خبر عن جزيرة لا تتجاوز مساحتها بضعة كيلومترات مربعة، مانشيتا يتصدر نشرات العالم: لأن من يسيطر على باب المندب، لا يسيطر فقط على أرض، بل على عصب الملاحة بين آسيا وأوروبا.

