لماذا لا نسمع صوت جيبوتي وإريتريا في صراع باب المندب؟
قراءة في غياب الجارتين الأفريقيتين عن مشهد إعلامي وسياسي تصنعه أطراف أخرى
ملخص :
الغياب ليس صدفة، بل نتيجة مباشرة لطبيعة الدورين اللذين تلعبهما الدولتان، وهما دوران مختلفان تماما عن بعضهما، ومختلفان جذريا عن النموذج الذي قدّمته عُمان في أزمة موازية بمضيق هرمز.
جيبوتي: صوت واضح، لكن بلا منبر عالمي
جيبوتي ليست صامتة، لكنها محصورة الأثر. فقد أعلنت رفضها الصريح لمحاولات الحوثيين فرض رسوم على السفن العابرة لباب المندب، ووصفت ذلك بأنه تهديد لأمن الملاحة والتجارة الدولية، مؤكدة استعدادها لاستخدام "جميع الوسائل" لحماية حقوقها السيادية. هي أيضا عضو في التحالف البحري الذي بادرت السعودية لتشكيله في أغسطس 2026 ويضم دولا أفريقية وخليجية معا.
لكن هذا الموقف الواضح لا يتحول إلى ثقل سياسي، لسبب بسيط: جيبوتي تتحدث بصفتها طرفا متضررا اقتصاديا يطلب الحماية، لا طرفا يملك أدوات الضغط أو الوساطة. اقتصادها قائم على تأجير مينائها وأراضيها لقواعد عسكرية أجنبية متعددة، وهذا يمنحها أمنا لكنه لا يمنحها نفوذا تفاوضيا، لأن القرار في نهاية المطاف يُتخذ من داخل تلك القواعد لا من القصر الرئاسي في جيبوتي.
إريتريا: الغياب المتعمد
إريتريا حالة مختلفة تماما، فغيابها ليس ضعفا في الصوت بل اختيارا للصمت. فهي رسميا ضمن التحالف البحري بقيادة السعودية، لكنها في الوقت ذاته محل شبهات موثقة حول استخدام سواحلها، وتحديدا أرخبيل دهلق، كنقطة عبور لأسلحة إيرانية متجهة إلى الحوثيين. ومع تجدد التوتر بين أسمرة وأديس أبابا، أعادت إريتريا إحياء علاقاتها مع طهران، فيما تصفها تحليلات غربية بـ"الحليف الصامت لإيران" في البحر الأحمر.
هذا الغموض المتعمد هو جوهر غياب إريتريا الإعلامي: دولة تكسب من ازدواجية موقعها. رسميا محايدة أو حتى متحالفة مع الرياض، وفي الغرف الخلفية تشكل نقطة ارتكاز محتملة لطهران. الصمت هنا ليس عجزا بل استراتيجية بقاء لنظام معزول دوليا يحاول أن يكسب من الطرفين معا دون أن يخسر أيا منهما، خصوصا في ظل نقاش أمريكي متجدد حول رفع العقوبات عنها وإعادة تعريفها كحليف محتمل.
المقارنة مع عُمان: الفارق بين "الوسيط" و"المتفرج القلق"
هنا يتضح الفرق الجوهري. عُمان في أزمة هرمز لم تكتف بحماية مصالحها، بل تحولت إلى صانعة قرار: قدمت مقترحا لإدارة المضيق، وتفاوضت مباشرة مع إيران على مسار ملاحي جديد، وأصبحت القناة الرسمية بين واشنطن وطهران عبر لقاءات مباشرة بين وزيري خارجية البلدين ومبعوث أمريكي مخصص. عُمان تملك تاريخا طويلا كوسيط موثوق من الطرفين المتنازعين معا، وهذا ما يفسر تحولها من دولة مطلة على المضيق إلى شريك في تقرير مصيره.
جيبوتي وإريتريا لا تملكان هذا الرصيد. لا تاريخ وساطة، ولا ثقة متبادلة من كل الأطراف، ولا موقع تفاوضي مستقل عن مظلة إقليمية أكبر تقودها الرياض. فجيبوتي تكتفي بطلب الحماية، وإريتريا تكتفي بإدارة غموضها. وبين هذين الموقفين، يُدار ملف باب المندب بالكامل تقريبا من خارج الدولتين الساحليتين الأفريقيتين، بينما تُصاغ نتائجه على شاطئيهما مباشرة.
هذا هو سر الغياب: ليس غياب مصلحة، بل غياب أداة. فالسؤال الحقيقي ليس "لماذا لا تتحدث جيبوتي وإريتريا؟"، بل "من يملك أصلا حق الكلام في مضيق يقرر مصيره لاعبون أكبر من حجم شواطئه؟".

