سباق الذكاء الاصطناعي بين الجموح والكبح
لماذا تتسابق الشركات أصلا؟
ملخص :
المنافسة ليست تقنية بحتة، بل مزيج من ثلاثة محركات متشابكة: جيوسياسي، إذ ينظر الطرفان الأمريكي والصيني إلى التفوق في النماذج ورقائق التصنيع كأداة نفوذ استراتيجي، لا سيما مع فرض واشنطن قيودًا على تصدير الرقائق المتقدمة لإبطاء بكين، ومحاولة الصين إثبات قدرتها على المنافسة عبر شركات مثل هواوي وعلي بابا وبايت دانسحيث ينبغي النظر إلى المنافسة الحالية في إطار التنافس بين القوى العظمى، بين الولايات المتحدة من جهة، وتحالف يضم الصين وروسيا من جهة أخرى. واقتصادي، إذ تتصارع الشركات على حصص السوق عبر حروب الأسعار وخفض تكاليف النماذجبعد أن ضخت مبالغ هائلة للاستثمار في هذا القطاع، بدأت الشركات الأمريكية تتحول لشراء نماذج منخفضة التكلفة. أما المحرك الثالث فهو تقني-وجودي: خشية أن التباطؤ الأحادي يعني تسليم الريادة لمنافس أقل التزامًا بالسلامة.
من يملك سلطة كبح هذا التهور؟
لا جهة واحدة تملك زمام الأمر فعليًا. فعلى المستوى الحكومي، بدأ الكونغرس الأمريكي يتحرك: السيناتور بيرني ساندرز والنائب غريغ كاسار قدّما مشروع "قانون حظر الذكاء الاصطناعي الفائق"، الذي يهدف لحظر دائم لإنشاء أنظمة ذكاء اصطناعي لا يمكن للبشر السيطرة عليها، وتجميد تطوير الذكاء الاصطناعي المتقدم لحين إنشاء جهة تنظيمية اتحادية جديدة تضع القواعد. لكن فرص نجاح هذا التشريع محدودة؛ فحتى المراقبين المتابعين للملف يرون أن التمريره غير مرجح لأنه يحتاج موافقة المجلسين ولم يشهد أي تحرك في اللجان بعد. أما داخل الصناعة نفسها، فقد حدث تطور لافت هذا الأسبوع حين دعا الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك، داريو أمودي، إلى تهدئة وتيرة تطوير النماذج، وسط تحذيره من مخاطر "التحسين الذاتي المتكرر" الذي قد يفلت من قدرة الشركات على السيطرة، فوافقه فورًا كل من سام ألتمان من "أوبن إيه آي" وإيلون ماسك من "إكس إيه آي"حيث كتب ألتمان أنه يتفق مع أمودي على ضرورة ضبط وتيرة التقدم، فيما وصف ماسك موقف أمودي بأنه صحيح. ومع ذلك، يبقى هذا مجرد التزام طوعي غير ملزم قانونًا، ويأتي وسط منافسة شرسة بين هذه الشركات نفسها وتحدٍّ صيني متصاعد، ما يجعل التنفيذ الفعلي غير مضمون. أما على الصعيد الأممي، فقد طالب الأمين العام أنطونيو غوتيريش بفرض حظر كامل بحلول عام 2026 على الأسلحة القادرة على اتخاذ قرار مستقل بتدمير الأهداف، بدعم من أكثر من 120 دولة، لكن المفاوضات لا تزال بلا معاهدة ملزمة.
هل القرار تكنولوجي أم اقتصادي؟
الحقيقة أن القرار مركب وليس أحاديا. البعد التكنولوجي يحدد "الممكن"، والاقتصادي يحدد "المُربح" ومن ثم يدفع نحو الاستمرار رغم التحذيرات، بينما البعد الإنساني/الأخلاقي، هو الذي يفترض أن يضع "الخطوط الحمراء". وهذا بالضبط ما نادى به مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك، محذرًا من أن الذكاء الاصطناعي المتطور قد يشكل تهديدًا وجوديًا للبشرية وداعيًا لخطوط حمراء دولية. لكن المشكلة أن القرار الاقتصادي الجيوسياسي يهيمن عمليًا على القرار الأخلاقي، لأن أي دولة أو شركة تتوقف بمفردها تخشى خسارة الصدارة لمنافسيها.
ما الذي يمنع كبح الذكاء الاصطناعي؟
العائق الأول هو غياب آلية إنفاذ عالمية ملزمة: لا توجد هيئة أممية أو دولية تملك صلاحية فرض عقوبات فعلية على من يخرق أي حظر، على عكس معاهدات الأسلحة النووية مثلًا. الثاني هو معضلة الأمن الجماعي: كل طرف يخشى أن التزامه بالحظر بينما يواصل الآخرون (خصوصًا في المجال العسكري) سيمنحهم تفوقًا حاسمًا، وهو ما يفسر استمرار دول مثل روسيا وإسرائيل وكوريا الجنوبية في الاستثمار بأنظمة الأسلحة ذاتية التشغيل رغم التحذيرات الأممية. الثالث هو أن التشريعات المحلية، كمشروع ساندرز، تصطدم بمعارضة سياسية تصفها بأنها "تهدد الأمن القومي" أو "ستجعل أمريكا تخسر السباق أمام الصين"، ما يجمّد أي تحرك تشريعي فعلي. والرابع هو أن الالتزامات الطوعية للشركات (كإعلان أمودي وألتمان وماسك) تبقى بلا آلية تحقق مستقلة قسرية، فيما يقترح أمودي نفسه أن أي "تهدئة" حقيقية تحتاج استثناءات من قوانين مكافحة الاحتكار لتنسيق الشركات فيما بينها -وهذا بحد ذاته يفتح بابًا لمخاوف احتكارية جديدة بدل حل مشكلة السلامة.
الخلاصة أن الدعوات الأخيرة من ساندرز إلى تورك إلى أمودي، تمثل بداية توافق نادر على خطورة المسار، لكنها تصطدم ببنية حوافز عالمية (اقتصادية وعسكرية) تكافئ السرعة لا الحذر، ما يجعل أي "مكابح" فعلية رهينة إرادة سياسية دولية لم تتبلور بعد.

