جنوب سوريا… خط الاشتباك الذي لا يهدأ
من يرسم حدود الجنوب السوري القادمة؟
ملخص :
توغل في عابدين، مداهمات في جباتا الخشب، وطائرات فوق الرفيد ودرعا. مشهد متكرر يكشف عن معركة أعمق حول من يرسم حدود الجنوب السوري القادمة؟
في 16 من أيلول/سبتمبر 2026، توغلت مجموعة تابعة لقوات الاحتلال الإسرائيلي في قرية عابدين بريف درعا الغربي، بينما داهمت قوات أخرى عدة منازل في بلدة جباتا الخشب بريف القنيطرة. وفوق الرفيد حلّقت طائرات استطلاع، وفي سماء ريف درعا الغربي مرّت طائرات حربية. لا شيء استثنائي في هذا اليوم. المشهد نفسه يتكرر بصورة شبه يومية منذ سقوط نظام بشار الأسد قبل نحو عامين وتسعة أشهر.
كم مرة؟
وفق توثيق المرصد السوري لحقوق الإنسان، بلغ إجمالي التوغلات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية 1041 توغلا منذ 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 وحتى منتصف أيلول/سبتمبر 2026. الوتيرة لم تكن ثابتة، بل تصاعدت بشكل حاد:

مركز "سجل" لرصد الانتهاكات وثّق وحده 254 خرقاً خلال نيسان/أبريل الماضي، معظمها في القنيطرة. ومركز "كرم شعار للدراسات" رصد مؤشراً أكثر دلالة: نسبة التوغلات التي تتجاوز منطقة فض الاشتباك المتفق عليها عام 1974 قفزت من 35% مطلع العام إلى 64% بحلول تموز/يوليو — أي أن الخط الذي رسمته إسرائيل نفسها لم يعد يقيّد تحركاتها.
لماذا الجنوب السوري؟
الخطاب الإسرائيلي الرسمي يتحدث عن "حزام أمني" يحول دون تكرار هجوم عابر للحدود، ويطالب بإبقاء الجنوب منزوع السلاح الثقيل. لكن الوقائع الميدانية ترسم طموحاً أوسع من ذلك.
هذا الموقع الجغرافي يفسر إصرار الجيش الإسرائيلي على البقاء فيه رغم كل جولات التفاوض. وبالتوازي، تبني إسرائيل شبكة من نحو تسع قواعد ونقاط عسكرية متقدمة، وتحفر خنادق وتحصينات تتجاوز 32 كيلومتراً ضمن مشروع يحمل اسم "شرق جديد"، يمتد من مجدل شمس شمالاً حتى المثلث الحدودي مع الأردن جنوباً، وأُنجز منه نحو 80% بحسب تقارير إسرائيلية. باحثون سوريون يقرأون في ذلك محاولة لتثبيت خريطة انتشار جديدة على الأرض قبل أي اتفاق، بحيث تصبح المفاوضات المقبلة محكومة بواقع فرضته القوة، لا بخطوط ما قبل سقوط النظام السابق.
الرد السوري والحسابات الأردنية
تكتفي دمشق حتى الآن بالاحتجاج الدبلوماسي والدعوة إلى تحرك دولي، مع مسار تفاوضي غير معلن بالكامل. ففي أواخر آب/أغسطس، عُقد اجتماع سوري إسرائيلي بحث آلية حوار مباشر واحتمال اتفاق أمني، وطالب الوفد السوري برئاسة وزير الخارجية أسعد الشيباني بانسحاب القوات الإسرائيلية إلى خطوط ما قبل 8 كانون الأول/ديسمبر 2024. والمسار ما زال متعثراً.
قلق أردني.. مخاوف من فراغ أمني ونزوح جديد نحو الحدود الشمالية
الأردن لا يراقب من بعيد. فالجنوب السوري عمق حيوي مباشر لأمنه: أي فراغ فيه، أو تمدد نفوذ محلي مرتبط بإسرائيل - كما يُثار حول تحركات الزعيم الدرزي حكمت الهجري - أو موجة نزوح جديدة من درعا والقنيطرة نحو الحدود، يضع المملكة في موقع حساس بين شراكتها الأمنية القديمة مع تل أبيب ورعايتها الجديدة لاستقرار دمشق. محللون أردنيون يشددون على أن عمّان يجب أن تكون طرفاً أصيلاً في أي ترتيبات أمنية مقبلة للجنوب السوري، لا مجرد جهة تتحمل تبعات ما يُفرض على حدودها الشمالية من دون أن يكون لها فيه رأي.

