فاتورة حرب مفتوحة: من يدفع ثمن المواجهة الأمريكية - الإيرانية؟
بلومبرغ: البنتاغون يبلغ الكونغرس بأن تكلفة العمليات ضد إيران بلغت 43.6 مليار دولار
ملخص :
منذ اندلاع الحرب الأمريكية على إيران في فبراير 2026، تحوّلت "التكلفة" إلى معركة أرقام موازية للمعركة العسكرية نفسها، بين تقديرات البنتاغون المتفائلة وتحذيرات مكتب الميزانية في الكونغرس والخبراء الاقتصاديين.
من أين تأتي الأموال؟
التمويل يأتي أساسًا من ميزانية وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)، لكن حجم الاستنزاف دفع الإدارة إلى طلب اعتمادات إضافية من الكونغرس. فقد قدّمت الإدارة الأمريكية طلب تمويل طارئ إضافي بقيمة 87.6 مليار دولار للكونغرس، منها 67.1 مليار دولار للبنتاغون، خُصص منها 21 مليار دولار تحديدًا للذخائر. وبحسب الوثيقة التي اطّلعت عليها "بلومبرغ"، فإن جزءًا كبيرًا من هذه الأموال يُوجَّه لتعويض الذخائر المستهلكة والمعدات المفقودة، إضافة إلى تكاليف تشغيلية للقوات البرية والبحرية والجوية، وحتى القيادة السيبرانية الأمريكية.
المفارقة أن هذا التمويل الطارئ يأتي في وقت اعترف فيه المفتش العام للبنتاغون بأن البلاد تواجه نقصًا حرجًا قد يهدد قدرتها على دفع رواتب العسكريين وإعادة تعبئة المعدات والذخائر دون تمويل إضافي، فيما أشار مكتب الميزانية في الكونغرس إلى أن إعادة ملء المخزونات الأمريكية قد تستغرق نحو 5 سنوات، مع الإشارة إلى أن وزارة الحرب لم تتعاون بشكل كامل مع المراجعين الماليين في الكونغرس.
كم كلّفت الحرب حتى الآن، وأين تقف بين أعلى حروب أمريكا؟
التقديرات تصاعدت بشكل متسارع: من نحو 25 مليار دولار في تقدير مبكر وصفته مصادر لشبكة CNN بأنه تقدير منخفض لا يشمل تكلفة إصلاح الأضرار التي لحقت بالقواعد الأمريكية في الشرق الأوسط، إلى 29 مليار دولار في مايو، ثم 37.5 مليار دولار في شهادة وزير الدفاع أمام الكونغرس في يوليو، وصولًا إلى 33.4 مليار دولار حتى 29 يونيو بحسب المفتش العام، و38.1 مليار دولار حتى 1 أغسطس بمعدل يومي بلغ 246 مليون دولار وفق مكتب الميزانية في الكونغرس.
هذا الرقم لا يزال بعيدًا عن أعلى فواتير الحروب الأمريكية في التاريخ الحديث. فحرب أفغانستان وحدها، بحسب "مشروع تكاليف الحرب" في جامعة براون، تجاوزت كلفتها تريليوني دولار، دون احتساب الرعاية الصحية مدى الحياة لقدامى المحاربين أو فوائد الديون التي اقترضتها الواشنطن لتغطية الحرب، وهو ما يجعلها الحرب الوحيدة التي تجاوزت كلفتها الحرب العالمية الثانية البالغة 4.1 تريليون دولار، متجاوزة بذلك حرب فيتنام. أما حربا العراق وأفغانستان معًا، فقدّرت صحيفة "الغارديان" كلفتهما بما يقارب 5 تريليونات دولار خلال 20 عامًا، مستفيدة منها بشكل غير مسبوق شركات صناعة السلاح والمتعاقدون من القطاع الخاص. أمام هذا السجل، لا تزال حرب إيران في مراحلها الأولى من حيث الكلفة الإجمالية، لكن معدل استنزافها السريع للذخائر هو ما يثير قلق الخبراء.
فبحسب مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، فإن إجمالي كلفة النزاع قد يصل إلى نحو 40 مليار دولار، دون احتساب النفقات التشغيلية المدرجة أصلًا في ميزانية الدفاع للسنة المالية 2026 التي تتجاوز تريليون دولار، بحسب ما ذكره مارك كانسيان، كبير مستشاري المركز. أما ليندا بليم، الخبيرة في كلية هارفارد كينيدي، فتذهب إلى أبعد من ذلك، متوقعة أن يكلّف الصراع مع إيران دافعي الضرائب الأمريكيين تريليون دولار على الأقل على المدى الطويل، إذا احتُسبت تكاليف رعاية الجرحى والمحاربين المستقبلية على غرار ما حدث في أفغانستان والعراق.
كيف يشعر بها المواطن الأمريكي؟
الأثر لا يقف عند الميزانية العسكرية فقط. فمكتب الميزانية في الكونغرس حذّر من أن نفقات الحرب قد تدفع معدل التضخم للارتفاع بنسبة 0.5% خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2027، وهو ما يعني ارتفاعًا محتملًا في تكلفة المعيشة يتحمّله المستهلك الأمريكي مباشرة. وفي مارس الماضي، قدّر محللون أن العمليات العسكرية تكلّف دافعي الضرائب أكثر من 890 مليون دولار يوميًا، إذا أُخذت في الحسبان العمليات الجوية والبحرية والبرية وتشغيل أنظمة الأسلحة واعتراض الصواريخ.
وإذا صحّت سوابق أفغانستان، حيث بلغت الكلفة نحو 16 ألف دولار لكل دافع ضرائب فدرالي، فإن استمرار حرب إيران لسنوات قد يعني فاتورة مماثلة تتوزع على الأسرة الأمريكية، عبر الضرائب أو تقليص الإنفاق على برامج أخرى.
بين الدعم والمعارضة... ومن ينتصر؟
داخل الكونغرس، انقسم المشرعون بوضوح. فقد وافق مجلس الشيوخ للمرة الأولى على قرار سلطات الحرب بواقع 50 صوتًا مقابل 48، بانضمام أربعة جمهوريين إلى غالبية الديمقراطيين، في تصويت وصفه الزعيم الديمقراطي تشاك شومر بأنه رفض لما اعتبره "أحد أسوأ الأخطاء في السياسة الخارجية الأمريكية". ورغم أن القرار وُصف بأنه رمزي إلى حد كبير لأن الإدارة تجادل بأن القوات الأمريكية ليست منخرطة حاليًا في أعمال قتالية مع إيران، إلا أنه جاء متزامنًا مع طلب البنتاغون من الكونغرس تمويلًا إضافيًا بقيمة 80 مليار دولار معظمه لحرب إيران.
على الجانب الآخر، رفضت الإدارة الانصياع الكامل، وواصل الرئيس ترامب عمليات عسكرية معتبرًا كل تصعيد جديد بداية لحساب زمني مختلف يحدّ من صلاحية الكونغرس في التدخل. أما النائبة الديمقراطية باميلا جايابال، فقد لخّصت موقف المعارضين بالتأكيد على أن الحرب كلّفت مليارات الدولارات وأودت بحياة عشرات الجنود الأمريكيين، وهجّرت ملايين المدنيين.
خلاصة: الأرقام المتصاعدة، من 25 إلى 38 مليار دولار في أقل من ستة أشهر، تضع الكونغرس أمام معضلة تمويل حرب لم يُصوَّت عليها رسميًا، بينما يتحمّل الاقتصاد الأمريكي كلفة مزدوجة: مباشرة عبر الميزانية، وغير مباشرة عبر التضخم واستنزاف المخزون الاستراتيجي الذي قد يحتاج سنوات لتعويضه.

