باكستان ترفع سقف الردع دفاعا عن السعودية.. ماذا يعني ذلك لإيران والحوثيين؟
اتفاقية مكة تنتقل من التوقيع إلى الاختبار الميداني
ملخص :
منذ توقيع "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" بين السعودية وتركيا وباكستان في 7 أغسطس الماضي، ظلت الاتفاقية إطارا سياسيا أكثر منه التزاما عمليا مختبرا. لكن الأسابيع الأخيرة غيّرت هذه المعادلة، بعدما تصاعدت محاولات جماعة الحوثي إطلاق طائرات مسيّرة باتجاه محيط مكة المكرمة، وسقوط حطام إحداها في الطائف، وإعلان الدفاعات الجوية السعودية اعتراض مسيّرة أخرى جنوب المدينة المقدسة قبل وصولها إلى مجالها الجوي.
هذا التصعيد دفع إسلام آباد إلى الانتقال من الخطاب الدبلوماسي العام إلى تصريحات أكثر تحديدا. فقد أكد وزير الدفاع الباكستاني خواجة محمد آصف أن الوقت حان لتفعيل بنود اتفاق مكة فعليا، وأن العمل مع السعودية "واجب أخلاقي وعقائدي" تلتزم به بلاده، مضيفا في تصريح لافت أن مكة لو تعرضت لأي اعتداء فلا حاجة لاتفاقية كي تهب باكستان لحمايتها.
"غير مشروط".. لكن دفاعي بالدرجة الأولى
في السياق نفسه، شدد المتحدث باسم الجيش الباكستاني الفريق أول أحمد شريف تشودري على أن التزام إسلام آباد تجاه الرياض "غير مشروط"، وأن بلاده مستعدة للذهاب إلى "أقصى مدى" إذا تطلب الأمر، مؤكدا وقوف باكستان إلى جانب السعودية دبلوماسيا وعمليا.
غير أن وزارة الخارجية الباكستانية وضعت حدودا واضحة لهذا الالتزام، إذ أوضح متحدثها أن اتفاقية مكة "تحالف دفاعي" ولا توجد خطط لتوسيعها في الوقت الراهن، في إشارة ضمنية إلى أن إسلام آباد وأنقرة لن تنخرطا في عمليات هجومية داخل الأراضي اليمنية، بل يقتصر الدور المحتمل على حماية الأراضي السعودية والمنشآت الحيوية والأجواء والمواقع المقدسة.
هذا التمايز بين "الردع" و"الهجوم" يفسر جزءا من التريث الباكستاني، إذ لا يحدد نص الاتفاق دورا عسكريا محددا يجب أن تقوم به الدولتان الأخريان في حال وقوع اعتداء، سواء عبر إرسال قوات أو طائرات مقاتلة أو تنفيذ ضربات مباشرة، ما يترك هامشا واسعا للتأويل والتدرج في الاستجابة.
بين الردع الجماعي وحسابات طهران
يرى محللون، أن اقتراب التهديد الحوثي من الأماكن المقدسة هو ما رفع من مستوى الرسالة الردعية الباكستانية، خصوصا أن الاتفاقية تنص صراحة على أن أي اعتداء مسلح على إحدى الدول الثلاث يعد اعتداء عليها جميعا، وهو ما يعزز منطق الردع الجماعي بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد.
في المقابل، تبقى باكستان مطالبة بإدارة علاقتها مع إيران بحذر شديد، في ظل استمرار قنوات الاتصال بين إسلام آباد وطهران، ووسط سياسة الحياد الرسمي التي تبنتها باكستان تجاه الحرب الإيرانية التي اندلعت في فبراير الماضي. هذا التوازن الدقيق يجعل التأكيد المستمر على الطابع "الدفاعي" لأي تحرك باكستاني ضرورة لتفادي تحول التزام أمني ثنائي إلى مواجهة إقليمية أوسع تشمل إيران مباشرة.
دلالة دخول قوة نووية آسيوية إلى معادلة الخليج
دخول باكستان، بصفتها دولة نووية وقوة عسكرية آسيوية كبرى، إلى معادلة أمن الخليج والبحر الأحمر يضيف بعدا جديدا لحسابات الردع الإقليمي، إذ باتت أي تهديدات موجهة للسعودية تُقرأ ضمن إطار أوسع يتجاوز العلاقة الثنائية بين الرياض والحوثيين. وهو ما قد يدفع الجماعة إلى إعادة حساباتها بشأن توسيع هجماتها، وإن كان طبيعة أي رد سعودي-باكستاني-تركي محتمل ستظل مرتبطة بحدود الاتفاقية وتقدير الأطراف الثلاثة لحجم التهديد الفعلي.
كما لا يخفى أن لهذا التطور امتدادات تتجاوز الأمن العسكري المباشر إلى المصالح الصينية المرتبطة بالطاقة والتجارة وممرات الملاحة، في وقت تحرص فيه بكين على ألا يتحول الالتزام الدفاعي الباكستاني إلى تصعيد مباشر بين الرياض وطهران يهدد مسار التقارب السعودي-الإيراني الذي رعته الصين عام 2023.
بذلك، يفتح التصعيد الأخير الباب أمام معادلة أمنية جديدة تربط الخليج والبحر الأحمر بجنوب آسيا، فيما يبقى اختبارها الحقيقي مرهونا بقدرة الأطراف الثلاثة على إبقاء الالتزام الباكستاني ضمن سقف الردع والدفاع، دون انزلاقه نحو مواجهة إقليمية أشمل.

