الصين تُعيد رسم خريطة نفطها: كيف عبرت أزمة هرمز دون أن "تعطش"؟
زيادة واردات الصين من نفط روسيا في أغسطس 41 %
ملخص :
في وقت لا تزال فيه تداعيات اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز تُلقي بظلالها على أسواق الطاقة العالمية، تكشف بيانات الجمارك الصينية لشهر أغسطس (آب) الماضي عن ملامح إستراتيجية واضحة اعتمدتها بكين لتأمين إمداداتها النفطية بعيداً عن أخطر ممر بحري في العالم.
واردات قياسية من روسيا.. عبر أي طريق؟
بلغت واردات الصين من النفط الخام الروسي 11.2 مليون طن في أغسطس، أي ما يعادل 2.64 مليون برميل يومياً، بزيادة 41 % على أساس سنوي و23 % مقارنة بيوليو (تموز). والمهم هنا أن هذا النفط لا يمر إطلاقاً عبر مضيق هرمز، إذ يصل إلى الصين عبر مسارين رئيسيين: الأول هو خط الأنابيب "إسبو" (ESPO) الممتد من شرق سيبيريا إلى مدينة داتشينغ الصينية، وهو خط بري كامل لا يحتاج إلى أي ممر بحري. أما الثاني فهو الشحن البحري عبر المحيط الهادئ من موانئ روسية في أقصى الشرق مثل كوزمينو، وأيضاً عبر بحر البلطيق والقطب الشمالي، لتصل الناقلات إلى الموانئ الصينية دون الاقتراب من الخليج العربي أو هرمز. هذا المسار البديل تماماً هو ما جعل النفط الروسي "الملاذ الآمن" الأول لبكين في ظل الاضطرابات.
كيف تجاوزت الصين أزمة هرمز؟
اندلعت الأزمة الحالية في 28 فبراير 2026 عقب ضربات أمريكية-إسرائيلية منسقة استهدفت مواقع إيرانية، ما فجّر أخطر توتر بحري في المنطقة منذ عقود، وسط تحذيرات من خبراء بأن إغلاق هرمز قد يوقف ربع إمدادات النفط العالمية وخُمس إمدادات الغاز. وأمام هذا الخطر، لم تلجأ الصين إلى التصعيد العسكري لحماية تدفقات النفط، بل فضّلت مساراً أكثر حذراً يقوم على أربعة محاور متزامنة.
المحور الأول تمثّل في تحويل الناقلات: فقد كشفت بيانات تتبع السفن أن الناقلات العملاقة التابعة لشركات صينية مملوكة للدولة توقفت عن دخول مضيق هرمز ومضيق باب المندب منذ أواخر يوليو، بعد اتصالات مباشرة مع السلطات المركزية في بكين، وتحوّل عدد كبير منها إلى مسارات أطول باتجاه المحيط الأطلسي والأمريكتين، رغم أن ذلك يعني رحلات أطول وفترات انتظار أطول وتكاليف أعلى.
أما المحور الثاني فهو زيادة الاعتماد على روسيا وموردين لا تحتاج شحناتهم لعبور هرمز أصلاً، وهو ما يفسر القفزة الحادة في الواردات الروسية. والمحور الثالث هو السحب من المخزونات الإستراتيجية التي بنتها الصين على مدى سنوات تحسباً لسيناريوهات كهذه، بدلاً من المخاطرة بسلامة ناقلاتها. أما المحور الرابع والأطول أمداً، فهو التوجه نحو آسيا الوسطى كبديل جغرافي واستراتيجي عبر خطوط أنابيب برية، إلى جانب تسريع خطط التحول نحو الطاقة الكهربائية في قطاع النقل، حيث تسعى بكين لتحويل نحو 80 % من شاحناتها للعمل بالكهرباء، في خطوة تقلّص تدريجياً اعتمادها على الوقود المستورد أصلاً.
ورغم هذه المرونة، يبقى اعتماد الصين على هرمز كبيراً على المدى القريب، إذ تستحوذ هي والهند واليابان وكوريا الجنوبية مجتمعة على نحو 69 % من تدفقات الخام العابرة للمضيق، فيما تُقدَّر البدائل المتاحة عالمياً بنحو 17 % فقط من طاقته الاستيعابية المعتادة، ما يجعل التعويض الكامل غير ممكن، والاعتماد الأكبر ينصبّ على "الصبر" الصيني القائم على تقليص المشتريات والاتكاء على المخزون بدلاً من مواجهة مفتوحة.
هل استمر التوريد من إيران أو عبر هرمز؟
بيانات الجمارك الصينية كانت واضحة: لا وجود لأي شحنات واردة رسمياً من إيران أو فنزويلا أو الولايات المتحدة في أغسطس، وهو ما يتسق مع النمط المسجل في العام السابق. لكن هذا لا يعني توقف تدفق النفط الإيراني إلى الصين، بل يعني فقط أنه لا يصل تحت مسمى "إيراني" في السجلات الرسمية. فالبيانات ذاتها تكشف أن ماليزيا، الموصوفة بأنها "أكبر مركز لإعادة شحن النفط الإيراني الخاضع للعقوبات"، صدّرت للصين 2.6 مليون طن رغم انخفاضها 45 % سنوياً، بينما شهدت إندونيسيا قفزة لافتة من نحو 100 ألف طن فقط خلال عام 2024 كاملاً إلى ما يتجاوز مليونَي طن شهرياً بحلول يوليو 2025، وهو ما ربطته "رويترز" بجهود لإخفاء منشأ شحنات النفط الإيراني التي يُعاد شحنها في المياه الإقليمية قبالة سواحل ماليزيا قبل وصولها إلى الصين تحت غطاء "إندونيسي" أو "ماليزي".
بمعنى آخر، لا يزال النفط الإيراني يجد طريقه إلى المصافي الصينية، لكن عبر مسارات التفافية تتجنب الإفصاح المباشر عنه في بيانات الجمارك، بعيداً كلياً عن حسابات مضيق هرمز الرسمية.
في المحصلة، يبدو المشهد الصيني أقرب إلى معادلة دقيقة بين الحذر السياسي والمرونة اللوجستية: تفادي المخاطرة المباشرة في هرمز، مع الحفاظ على تدفق غير معلن من إيران، وزيادة صريحة ومعلنة من روسيا، في وقت تتراجع فيه بشكل حاد واردات دول الخليج التقليدية كالسعودية والعراق وعُمان، التي دفعت الأزمة ثمنها الأكبر من حصتها في السوق الصينية.

