لأول مرة منذ سنوات.. سوريا تصدر الفائض عن حاجتها من القمح
القمح السوري: من شبح الاستيراد إلى مزايدات التصدير
ملخص :
في مشهد يختصر انقلاب المعادلة الزراعية في سوريا خلال عام واحد فقط، تنتقل البلاد من دولة استوردت مئات آلاف الأطنان لسد عجزها الغذائي، إلى دولة تطرح فائضا من القمح للبيع في مزايدات علنية.
طوال سنوات الحرب، تراجع إنتاج القمح السوري بشدة بفعل خسارة مناطق زراعية استراتيجية في الجزيرة السورية لصالح قوات خارج سيطرة دمشق، إضافة إلى موجات جفاف متلاحقة. وصف اتحاد الفلاحين في اللاذقية موسم 2024 بأنه الأسوأ منذ سنوات، مع تراجع الإنتاج بنسبة 50% مقارنة بالموسم السابق. ووصل الأمر بموسم 2025 إلى أدنى مستوياته، إذ لم يتجاوز الإنتاج نحو 934 ألفا و183 طنا فقط، بينما قدّرت منظمة الفاو إنتاج الحبوب في سوريا عام 2025 بنحو 1.2 مليون طن، أي أقل من المتوسط بأكثر من 60%، نتيجة جفاف غير مسبوق. وفي ظل هذا العجز، لجأت الحكومة الانتقالية إلى الاستيراد من روسيا والعراق، والاتفاق مع تركيا على توريد الطحين، وهو ما استنزف احتياطيات نقدية كانت البلاد بأمسّ الحاجة إليها.
بعد السقوط: قفزة إنتاجية وعودة أراضي الجزيرة
الانعطافة الحقيقية جاءت مع موسم 2026، حين تضاعف الإنتاج لأكثر من مثليه بفضل عاملين رئيسيين: تحسّن الأمطار، وعودة إدراج محافظات الحسكة والرقة ودير الزور ضمن حسابات الإنتاج الوطني بعد بسط سيطرة الحكومة عليها. وشكّلت مساهمات هذه المحافظات الثلاث المستعادة أكثر من نصف الزيادة في الإنتاج، بواقع نحو 800 ألف طن من الحسكة و300 ألف طن من الرقة و250 ألف طن من دير الزور. والنتيجة أن الكميات المستلمة من القمح للموسم الحالي وصلت إلى 2.7 مليون طن، بزيادة 150 ألف طن عن حاجة سوريا السنوية البالغة 2.55 مليون طن، بعدما كانت تحتاج تاريخيا نحو 4 ملايين طن سنويًا تشمل القمح اللين المستخدم في الخبز.
هذا التحول الاقتصادي لم يكن ممكنًا لولا رفع "قانون قيصر" في ديسمبر 2025، الذي أعاد فتح قنوات التجارة الخارجية أمام دمشق وشجّع المزارعين على توسيع الرقعة المزروعة، تمهيدًا لتصدير الفوائض مستقبلًا – وهو بالضبط ما تمثله مزايدة الـ200 ألف طن الحالية من القمح القاسي "الدرجة الثانية والثالثة". ومع ذلك، تحذّر تقارير متخصصة من أن هذا الاكتفاء لا يزال هشًا وغير هيكلي، إذ تتوقع الفاو استمرار حاجة سوريا لاستيراد نحو مليوني طن خلال الموسم التسويقي 2026-2027، أساسًا من القمح اللين.
أما بالنسبة للدول التي كانت سوريا تصدّر لها قبل 2011، فقد كانت من الدول المصدّرة تاريخيًا قبل اندلاع الحرب، قبل أن تنقلب لدولة مستوردة بالكامل تقريبًا خلال سنوات النزاع؛ ولم تُنشر حتى الآن بيانات رسمية مفصّلة عن الوجهات الجديدة المحتملة لصادرات الفائض الحالي، إذ لا تزال المزايدة في مراحلها الأولى.
سلامة الشحنات: لا دليل موثّق على تلوث كيميائي
أي شحنة تصدير قمح دوليًا تخضع عادة لفحوصات مخبرية ومواصفات نوعية (كتلك الواردة في "كراسة الشروط" التي أشارت إليها الهيئة العامة للإمداد والتوريد) قبل السماح بتصديرها، وهو ما يبقى المعيار العملي لتبديد أي شكوك تتعلق بالسلامة، في غياب أي دراسة معلنة تخص القمح تحديدًا.

