افغانستان تودع الفائدة وتتبنى نظاما مصرفيا اسلاميا
ملخص :
في تحول تاريخي يشهده القطاع المالي الافغاني، اعلنت السلطات عن ايقاف العمل بالفائدة البنكية في جميع المصارف، سواء كانت حكومية او خاصة، وذلك تمهيدا لتطبيق نظام مصرفي اسلامي شامل، يهدف الى اعادة هيكلة القطاع المالي بما يتوافق مع احكام الشريعة الاسلامية.
يظهر هذا القرار في وقت بالغ الاهمية، حيث تسعى الدولة جاهدة لاعادة بناء اقتصادها في مواجهة تحديات داخلية متزايدة، فضلا عن ضغوط خارجية كبيرة، ابرزها محدودية الاندماج في النظام المالي الدولي وتقلص تدفقات راس المال، وهو ما يجعل هذا التحول محط اهتمام الخبراء والمراقبين على حد سواء، بين من يرى فيه فرصة لتعزيز الثقة في القطاع المصرفي، ومن يخشى من انعكاساته على الاستقرار المالي.
وتهدف هذه الخطوة الى تحفيز النمو الاقتصادي من خلال توفير بدائل تمويلية متوافقة مع الشريعة، وتشجيع الاستثمارات المحلية والاجنبية في البلاد.
التحول نحو نظام مصرفي اسلامي
تشير المعطيات الى ان التحول نحو النظام المصرفي الاسلامي في افغانستان لا يقتصر فقط على تغيير الادوات المالية والمصرفية، بل يمثل اتجاها اوسع لاعادة تنظيم البنية الاقتصادية للدولة وفقا للمرجعية الشرعية.
وفي هذا الاطار، شكلت افغانستان لجانا متخصصة في الجوانب الاقتصادية والشرعية، وكلفتها باعداد القوانين ووضع الاطر التنظيمية اللازمة لتطبيق هذا التحول، بما في ذلك اعادة هيكلة عمل البنوك واليات الاقراض والاستثمار.
وحسب تصريحات لمسؤولين، الزم البنك المركزي الافغاني، بناء على توجيهات القيادة، جميع البنوك بالانتقال من النظام المصرفي التقليدي الى النظام الاسلامي، وهي خطوة تشمل جميع جوانب العمل المصرفي، من الايداع الى التمويل والاستثمار.
ورغم ان التفاصيل الفنية الكاملة لم تعلن بعد بشكل موسع، فان الجهات المعنية تؤكد ان النظام الجديد قد صمم ليكون متوافقا تماما مع احكام الشريعة الاسلامية، وان الاطار العام له قد اعد مسبقا قبل ان يدخل مرحلة التنفيذ التدريجي داخل البنوك.
وفي السياق ذاته، اكد مدير الخدمات المصرفية والمالية في البنك المركزي الافغاني، لطف الله خيرخواه، ان النظام الربوي في البنوك التجارية داخل البلاد قد اوقف بشكل كامل، وذلك ضمن عملية شاملة لاعادة هيكلة القطاع المصرفي وفق اسس الشريعة الاسلامية.
واوضح خيرخواه ان جميع البنوك باتت ملزمة بالانتقال الى النظام المصرفي الاسلامي، وان التحول لا يقتصر على الغاء الفائدة فقط، بل يشمل اعادة بناء لآليات العمل المصرفي، بما في ذلك صيغ التمويل والعقود وادارة السيولة.
اليات التمويل الاسلامية
واضاف ان هذا التحول يجري وفق خطة تدريجية تهدف الى ضمان استقرار القطاع المصرفي وعدم تعطيل حركة المعاملات المالية، لافتا الى ان البنك المركزي يعمل على تهيئة البنية التنظيمية والتقنية اللازمة لتطبيق النظام الجديد بشكل متكامل.
ويعتمد النظام الجديد على مجموعة من الادوات التمويلية الاسلامية التي تهدف الى استبدال الفائدة البنكية بنماذج تقوم على المشاركة في الربح والخسارة، من ابرزها المرابحة والمشاركة والمضاربة وبيع السلم والاستصناع والاجارة المنتهية بالتمليك.
ويرى مؤيدو هذه الصيغ انها تعزز ربط التمويل بالاقتصاد الحقيقي بدلا من الاعتماد على الديون والفوائد.
وفي حديثه للجزيرة نت، يقدم رئيس بنك افغان يونايتد، مطيع الله فايق، قراءة ايجابية للتحول الجاري في القطاع المصرفي، معتبرا ان الانتقال الى النظام المصرفي الاسلامي يمثل فرصة لاعادة بناء الثقة بين البنوك والعملاء بعد سنوات من التراجع وضعف الاقبال على الخدمات المصرفية الرسمية.
ويرى فايق ان النظام الجديد، اذا طبق بشكل تدريجي ومنظم، يمكن ان يسهم في توجيه السيولة نحو الانشطة الانتاجية بدل الديون الاستهلاكية قصيرة الاجل، مشيرا الى ان صيغ التمويل الاسلامية تتيح علاقة اكثر توازنا بين البنك والعميل تقوم على تقاسم المخاطر والعوائد.
ويضيف ان احد ابرز المكاسب المحتملة يتمثل في تعزيز الشمول المالي عبر ادخال فئات اوسع من المجتمع الى النظام المصرفي، خصوصا اصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة.
تحديات تواجه النظام المالي الجديد
كما يشدد على ان نجاح التجربة يتطلب تطوير البنية التقنية والمصرفية وتدريب الكوادر، الى جانب وضوح تشريعي يحد من تردد المتعاملين في السوق.
في المقابل، يواجه القطاع المصرفي في افغانستان تحديات واضحة، خصوصا في ما يتعلق بالتحويلات المالية الخارجية.
فحسب مصادر ميدانية، تقتصر امكانية تحويل الاموال من داخل البلاد على عدد محدود من الدول، تشمل بعض دول اسيا الوسطى وعددا من الدول العربية مثل الامارات (دبي)، اضافة الى تركيا.
اما التحويلات نحو اوروبا والولايات المتحدة فتواجه قيودا واسعة، في حين تتاثر العمليات المرتبطة بروسيا بالعقوبات الدولية، ما يزيد من تعقيد حركة الاموال عبر النظام المالي العالمي.
ويرى خبراء ان الاعتماد على نظام البنوك المراسلة يمثل الخيار المتاح حاليا، لكنهم يرونه حلا بطيئا ومعقدا، اذ تستغرق التحويلات وقتا طويلا، ما يؤثر على التجارة والاستثمار.
وفي قلب العاصمة كابل، وتحديدا في سوق سراي شهزادة للصرافة، يراقب الصرافون عن كثب تداعيات التحول المصرفي الجديد على حركة الاموال والعملة المحلية.
يقول احد الصرافين ويدعى عبد المتين عزيز ان ثمة حالة من الحذر في السوق، وبعض التجار اصبحوا يترددون في التعامل عبر البنوك ويفضلون الاحتفاظ بالنقد، بسبب عدم وضوح آليات النظام الجديد.
ويضيف صراف آخر فضل عدم نشر اسمه ان اي تغيير في النظام المصرفي ينعكس مباشرة على الدولار والافغاني (العملة الافغانية)، وحتى الشائعات تؤثر على السوق، فما بالك بتغيير شامل مثل هذا.
فرصة ام تحدي؟
ويفسر متعاملون في السوق ذلك بان اي تحول في النظام المصرفي ينعكس على سلوك التجار والمستثمرين، اذ يدفع غياب الوضوح بعضهم الى تفضيل الاحتفاظ بالدولار او التعامل النقدي، ما يزيد الطلب على العملة الصعبة ويؤثر على سعرها مقابل الافغاني.
ويرى متعاملون ان القيود على التحويلات الخارجية زادت من اهمية سوق الصرافة، وجعلته اكثر تاثيرا في ادارة السيولة اليومية داخل الاقتصاد.
وفي هذا السياق، يقول الخبير الاقتصادي نصر الله نيازي ان التحول نحو النظام المصرفي الاسلامي يمكن ان يشكل فرصة لاعادة بناء الثقة في القطاع المالي، خاصة في ظل تراجع العلاقة بين المواطنين والبنوك وضعف الايداع والاقتراض الرسمي.
ويرى ان هذا النموذج قد يساهم في توجيه التمويل نحو القطاعات الانتاجية مثل الزراعة والصناعة والخدمات، بدل الاعتماد على التمويل الاستهلاكي، وهو ما قد ينعكس ايجابا على خلق فرص العمل وتنشيط الدورة الاقتصادية.
لكنه في المقابل، يحذر من ان نجاح هذا التحول يرتبط بقدرة النظام المصرفي على تجاوز نقص السيولة وصعوبة الاندماج في النظام المالي الدولي، اضافة الى الحاجة لبناء ادوات مالية حديثة قادرة على العمل في بيئة اقتصادية محدودة الانفتاح.
ويخلص الى ان التجربة ستبقى مرهونة بمدى قدرة المؤسسات المالية على تحويل الاطار النظري الى تطبيق عملي متماسك في سوق معقدة ومتغيرة.
يضع هذا التحول افغانستان امام اختبار اقتصادي معقد، فبينما يرى مؤيدون انه قد يساهم في توجيه الاقتصاد نحو الانتاج الحقيقي وتقليل اعباء الديون، يحذر خبراء من ان القيود المالية الدولية ونقص السيولة قد يفرضان ضغوطا كبيرة على النظام الجديد في مراحله الاولى.
وفي ظل هذه المعطيات، يبقى السؤال مفتوحا حول قدرة النظام المصرفي الاسلامي على تحقيق استقرار مالي مستدام في بيئة اقتصادية لا تزال تواجه تحديات بنيوية عميقة.

