الانتخابات التشريعية الفلسطينية.. عودة إلى صندوق الاقتراع بعد عقدين
ملخص :
بعد نحو عشرين عاماً من آخر انتخابات تشريعية فلسطينية، يعود المجلس التشريعي إلى واجهة المشهد السياسي مع انتخابات مقررة في 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2026.
وبحسب لجنة الانتخابات المركزية، يحق لنحو 2.97 مليون فلسطيني الاقتراع في الانتخابات المقبلة، بينهم 1.24 مليون في قطاع غزة، و1.59 مليون في الضفة الغربية، إضافة إلى نحو 140 ألفاً من حملة الهوية المقدسية في مدينة القدس. ويشكل من تقل أعمارهم عن 38 عاماً نحو 53% من أصحاب حق الاقتراع، فيما تتقارب نسبة النساء والرجال بصورة شبه متساوية.
وتبدأ مرحلة الترشح في 26 سبتمبر/أيلول وتستمر حتى 7 أكتوبر/تشرين الأول، فيما تجري عملية الاقتراع العام يوم السبت 28 نوفمبر/تشرين الثاني، وفق الجدول الزمني المعلن من لجنة الانتخابات المركزية.
لكن ما الذي يعنيه انتخاب مجلس تشريعي جديد؟ ولماذا تبدو هذه الانتخابات مختلفة عن مجرد عملية اقتراع بعد غياب طويل؟
ما هو المجلس التشريعي؟
المجلس التشريعي الفلسطيني هو السلطة التشريعية المنتخبة، وتتمثل مهمته الأساسية في التشريع والرقابة على السلطة التنفيذية، وفق القانون الأساسي الفلسطيني. أي أن دوره لا يقتصر على إصدار القوانين، بل يمتد إلى ممارسة الرقابة البرلمانية على أداء الحكومة.
وبصورة مبسطة، إذا كانت الحكومة مسؤولة عن إدارة شؤون السلطة التنفيذية وتنفيذ السياسات، فإن المجلس التشريعي يمثل المؤسسة التي تضع الإطار القانوني لهذه الإدارة وتراقب أداءها.
ومن صلاحيات المجلس، وفق الإطار القانوني الفلسطيني، ممارسة الوظيفة التشريعية وإقرار القوانين، إلى جانب الدور الرقابي على السلطة التنفيذية. كما ترتبط بالمجلس مسائل مهمة مثل التشريعات المالية والاقتصادية والموازنة العامة.
وهنا تكمن أهمية المجلس: فهو ليس مجلساً استشارياً، بل مؤسسة دستورية يفترض أن تكون جزءاً من منظومة الحكم والفصل بين السلطات.
متى أُنشئ؟
ظهر المجلس التشريعي في إطار بناء مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية خلال المرحلة الانتقالية التي أعقبت اتفاقات أوسلو.
وفي عام 1995 صدر قانون الانتخابات رقم 13، الذي حدد عدد أعضاء المجلس بـ88 عضواً، وقُسمت الضفة الغربية وقطاع غزة إلى 16 دائرة انتخابية. وفي 13 ديسمبر/كانون الأول 1995 صدر المرسوم الداعي إلى إجراء أول انتخابات عامة لانتخاب رئيس السلطة وأعضاء المجلس التشريعي.
وجرت الانتخابات الأولى في يناير/كانون الثاني 1996، وكانت انتخابات مباشرة اعتمدت نظام الدوائر والأغلبية.
وفي تلك الانتخابات انتُخب ياسر عرفات رئيساً للسلطة الوطنية، فيما تشكل المجلس التشريعي الأول من 88 عضواً.
لاحقاً، تغير حجم المجلس والنظام الانتخابي. ففي قانون الانتخابات لعام 2005 ارتفع عدد المقاعد إلى 132 مقعداً، موزعة بالتساوي بين الدوائر والقوائم، قبل أن يتحول النظام الانتخابي لاحقاً إلى التمثيل النسبي الكامل بموجب قرار بقانون الانتخابات لعام 2007. أما الانتخابات المقررة في 2026 فتجري وفق الإطار القانوني الحالي، الذي يحدد عدد المقاعد بـ132 مقعداً.
متى كانت آخر انتخابات؟ ومن فاز؟
آخر انتخابات تشريعية فلسطينية جرت في 25 يناير/كانون الثاني 2006.
كانت تلك الانتخابات الثانية للمجلس التشريعي، وشارك فيها الناخبون بنسبة بلغت 77.69%، وفق لجنة الانتخابات المركزية.
وكانت النتيجة الأبرز فوز قائمة "التغيير والإصلاح" التابعة لحماس بـ74 مقعداً من أصل 132، مقابل 45 مقعداً لقائمة حركة فتح، فيما توزعت المقاعد الـ13 المتبقية بين قوائم أخرى ومستقلين.
ومنذ ذلك الحين لم تُجر انتخابات تشريعية عامة جديدة، لتصبح انتخابات 2026، إذا جرت وفق الجدول المعلن، أول انتخابات للمجلس منذ عقدين.
وهذا يعني أن نسبة كبيرة من الناخبين الحاليين لم يشاركوا في أي انتخابات تشريعية عامة من قبل. لجنة الانتخابات تقول إن 53% من أصحاب حق الاقتراع تقل أعمارهم عن 38 عاماً.
هل هي انتخابات شكلية أم يمكن أن تحدث أثراً؟
هذا هو السؤال الأصعب.
من الناحية الإجرائية، ما يجري ليس مجرد إعلان سياسي، هناك جدول انتخابي رسمي، وتسجيل ناخبين، ومرحلة ترشح، وحملات انتخابية، واقتراع وإعلان نتائج. وقد أعلنت لجنة الانتخابات أنها تواصل استعداداتها الفنية والإدارية لإجراء الانتخابات في الضفة الغربية، بما فيها القدس، وقطاع غزة.
لكن الأثر السياسي لا تحدده ورقة الاقتراع وحدها.
فالانتخابات يمكن أن تعيد تشكيل شرعية المؤسسات السياسية، وتنتج مجلساً منتخباً قادراً على ممارسة دوره التشريعي والرقابي. ويمكن كذلك أن تفتح الباب أمام مشاركة سياسية أوسع، خصوصاً أن أكثر من نصف الناخبين ينتمون إلى أجيال لم تعش تجربة الانتخابات التشريعية السابقة.
وفي المقابل، فإن قيمة الانتخابات السياسية ستبقى مرتبطة بما يحدث بعدها: هل يتم احترام النتائج؟ هل يستطيع المجلس ممارسة صلاحياته فعلياً؟ هل تتعامل القوى السياسية مع نتائج الصندوق باعتبارها قاعدة لإعادة بناء النظام السياسي؟ وهل تجري الانتخابات في مختلف المناطق - بما فيها قطاع غزة - بصورة فعلية ومنتظمة؟
هذه الأسئلة مهمة لأن تجربة 2006 لم تتوقف عند إعلان النتائج، فقد دخل النظام السياسي الفلسطيني بعدها في أزمة وانقسام سياسي ومؤسساتي عميق.
لذلك، فإن الاختبار الحقيقي لانتخابات 2026 لن يكون فقط: من فاز؟
بل أيضاً: ماذا سيفعل الفائزون بالمجلس؟ وهل يستطيع المجلس المنتخب أن يستعيد دوره كمؤسسة تشريعية ورقابية؟
وبهذا المعنى، الانتخابات ليست حدثاً إجرائياً فقط، لكنها أيضاً ليست ضمانة تلقائية لتغيير سياسي.
الصندوق يمكن أن ينتج مجلساً جديداً، أما تحويل هذا المجلس إلى مؤسسة فاعلة، وإعادة بناء العلاقة بين المؤسسات والقوى السياسية، وربط العملية الانتخابية بمسار سياسي فلسطيني أوسع، فهذه مسائل تبدأ فعلياً في اليوم التالي لإعلان النتائج.
وفي حالة الانتخابات الفلسطينية، ربما يكون السؤال الأهم بعد عشرين عاماً من آخر اقتراع تشريعي ليس فقط هل ستجري الانتخابات؟، وإنما هل ستنتج هذه المرة نظاماً سياسياً يستطيع أن يعيش مع نتائجها؟

